
علم لبنان
بينما كانت الصواريخ تتقاطع فوق سماء لبنان، وتتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وإيران، برز الدور الأميركي بقيادة الرئيس دونالد ترامب بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في ضبط مسار التصعيد ورسم حدود الاشتباك، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ووفق هذا المشهد، تبدو طهران وكأنها تواجه قيوداً متزايدة على قدرتها في فرض معادلات القوة أو الاستمرار في سياسة حافة الهاوية.
وفي هذا السياق، كشف مصدر سياسي رفيع لـ”نداء الوطن” أن التحرك الإيراني الأخير حمل أهدافاً تتجاوز البعد العسكري المباشر، من بينها محاولة الضغط على الإدارة الأميركية لإعادة النظر في تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى السعي لتليين الموقف الأميركي بشأن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وبحسب المصدر، فإن الرسائل السياسية والإعلامية التي رافقت التصعيد هدفت أيضاً إلى توجيه إشارات إلى البيئة الشيعية في لبنان، مفادها أن إيران باتت قادرة على الرد على أي استهداف للضاحية الجنوبية لبيروت عبر ضربات موجهة لإسرائيل.
إلا أن نتائج الجولة، وفق المصدر نفسه، جاءت عكسية، إذ لم تُسجَّل أي تبدلات في السياسات الأميركية أو في مستوى الضغط الاقتصادي، فيما جاء الرد الإسرائيلي قاسياً بما أسقط جزءاً من الرسائل السياسية التي حاولت طهران تسويقها إقليمياً وداخلياً.
في موازاة ذلك، اكتسبت الحركة الدبلوماسية الأميركية في بيروت أهمية استثنائية، إذ حملت جولة السفير الأميركي ميشال عيسى على الرؤساء الثلاثة رسائل تؤكد دعم المجتمع الدولي للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وضرورة الانتقال إلى مرحلة تثبيت السيادة ومنع تعدد مراكز القوة.
وشدد السفير، بحسب ما نُقل عنه، على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكرّس سلطة الدولة وحصرية القرار الأمني والعسكري، مع الإشادة بجهود رئيس الجمهورية جوزاف عون وبالوفد اللبناني المفاوض، واعتبار أن ما يجري يمثل فرصة سياسية يجب استثمارها.
وخلال لقاءاته، أشار عيسى إلى أن الإدارة الأميركية تولي الملف اللبناني أهمية خاصة، وأن مسار التفاوض القائم مع إسرائيل يتقدم رغم التعقيدات، مع تأكيد أن الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار يحتاج إلى وقت وإلى معالجة نقاط عالقة.
وبعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، أوضح السفير الأميركي أن واشنطن تعمل على الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، مع وجود بعض النقاط التي جرى توضيحها خلال النقاشات، مؤكداً أن المسار ما زال مستمراً.
وعن تعهدات تتعلق بوقف إطلاق النار، قال عيسى إن الرئيس بري قدّم جواباً في هذا السياق، وإن النتائج ستتضح لاحقاً، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي يبقى تثبيت التهدئة.
كما كشف عن طرح يتعلق بـ”منطقة تجريبية” في الجنوب، يُفترض أن تكون مفتوحة أمام عودة السكان وتحت حماية الجيش اللبناني، مع ضمان عدم استهدافها، بما يسمح ببدء إعادة الإعمار تدريجياً.
وفي قراءة لهذه التطورات، علمت “نداء الوطن” أن الرئيس بري تعامل مع الطرح الأميركي بجدية، فيما أوضح مصدر مطلع أن واشنطن أبلغت السلطات اللبنانية أن المعادلة القائمة لم تتغير، وأن أي حديث عن قواعد اشتباك جديدة لا يعكس الواقع الفعلي.
وبحسب المصدر، فإن الترتيبات المطروحة تقوم على مقاربة تفصل بين الضاحية الجنوبية وشمال إسرائيل، في حين يخضع جنوب لبنان لمسار تفاوضي مختلف يرتبط بالتفاهمات الأمنية الجارية.
كما أشار إلى أن مسار المفاوضات في واشنطن يتجه نحو ربط وقف إطلاق النار بمخرجات الجولة الرابعة من المحادثات، بما يشمل ترتيبات أمنية تبدأ بسحب السلاح من جنوب الليطاني وإعادة تنظيم الوجود العسكري فيه.
وفي هذا الإطار، شددت وزارة الخارجية الأميركية على أن مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل منفصل عن المحادثات مع إيران، مؤكدة أن الحكومة اللبنانية تبقى الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة التمثيل، وأن “حزب الله” لا يزال يشكل عقدة أساسية أمام أي اتفاق نهائي.