السبت 10 ذو القعدة 1445 ﻫ - 18 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

أسرار الحرف العربي.. عبيدة البنكي خطاط مصحف قطر

إذا لم تكن تعرفه، فقد تعرّفت إليك آثارُه. لا سيما إن كنت تسكن قطر. عبيدة البنكي، خطّاط مصحف قطر، فإن لم تكن فتحت المصحف مؤخرًا وقرأت خط النسخ في أعلى تجلياته، فلا شك أن جيبك لا يخلو من ريال. خطّ البنكي الإصدار الخامس من العملة القطرية، مستخدمًا أربعة أنواع من الخطوط، هي: الثلث، والمحقق، والإجازة، والنسخ.

كألف مكتوبة بالخط الفارسي، كان عبيدة البنكي الرجل الستّيني في بدلته الداكنة وقميصه الأبيض مستندًا على باب داره في تمام التاسعة، ينتظر صحفيًا من الجزيرة نت كان أعطاه موعدًا قبل أسبوع. ما إن نزلتُ من السيارة حتى بدأ ترحيبه.

حين جاوزتُ الباب الخارجي، أشار إليَّ البنكي أن أتجه يمينًا إلى بيت الشَعر الذي اتخذه في فناء منزله، ما زال العرب في الجزيرة العربيّة متشبّثين بنموذج البداوة وعلامة الكرم باتخاذهم لبيوت الشعر ينصبونها في أفنية دورهم، بعد أن ألجأتهم الحضارة إلى سكن المدن. حين دخلت استقبلتني صور البنكي مع الرؤساء تزيّن زوايا مجلسه، على اليمين صورة لتكريمه بوشاح الاستحقاق من صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وفي الزاوية المقابلة صورتان للبنكي مع الرئيس التركي المولع بالخط رجب طيب أردوغان.

لا شيء يجمعني بعلم الخط سوى تذوّق الحرف العربي. أما خطي فيكاد يكون رموزًا كثيرا ما يتعسّر عليّ قراءتها. في 2018 رأيتُ فتاةً في مكتبة الشبكة العربية في إسطنبول تجلس وسط أوراقها وقصبها وهي تكتب بخط رقعة أنيق للغاية. فقررتُ أن أوقف مسار التدهور في خطي، بأخذ دروس تقوية عندها. وبعد أشهر من الدروس، تزوجتُ معلمتي، ولكن خطي لم يتحسن.

ما إن استويت على الجلسة المنخفضة، ووضعتُ مذكرتي وقلمي، وقربتُ هاتفي للتسجيل، حتى بادرته سائلًا وأنا أنظر إلى اللوحات المصفوفة في طرف المجلس، “ماهي أول لوحة خططتها؟” رفع رأسه الذي يكلله وقار الشيب ليتذكرّ ” كانت أول لوحة خططتها في عام 1975، في دير الزور، كتبت الآية الكريمة “إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم” كنت أحاكي فيها الخطاط هاشم البغدادي. كلفتني اللوحة وقتها نصف ليرة سورية، وبعتها بليرة وكنتُ سعيدًا جدًا بمكسبي” وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.

“كانت بداية مبكرة إذن، ينبغي أن يكون عمرك 9 سنوات وقتها!، هل تذكر بدايتك مع الخط” سألته وأنا أقرّب مجلسي من مجلسه.
“منذ طفولتي المبكرة أحببت الخط والرسم، كانت والدتي تقول: كنت إذا أردت التخلص منك، قرّبت لك الأوراق والأقلام، فتنشغل بها وتغيب عن العالم. في المدرسة كذلك حيث كان والدي مديرًا لها، كان عنده أستاذ اسمه حسن خاطر، وكان يعطيني أقلام الفلوماستر أشخوط بيها” قال العبارة الأخيرة بلهجة ديرية ثقيلة. ثم واصل بفصحى سليمة ” وأنا في الصف الثاني، جاءنا وفد من وزارة التعليم، فأقامني الأستاذ لأكتب على السبورة. لا أذكر ما كتبت، ولكني أذكر جيّدًا تصفيقهم لي!”

في عام 1977 زار السادات الكنيست الإسرائيلي، وضجّ العالم العربي من الخطوة التطبيعيّة، كان البنكيّ وقتها في الصف السابع، ونشط في كتابة اللافتات التي تخرج في المظاهرات تنديدًا بزيارة السادات، منذ ذلك الحين، صارت المناسبات القوميّة أعيادًا للخطاط الشاب، قال لي وهو يتذكر تلك الأيام “صرتُ زنقيلًا” (= زنقيل من الكلام العاميّ المأخوذ من اللغة التركية، وتعني الغني).

لكن هذا النشاط لم يصيّره محترفًا في الخط، ظل هاويًا.

في الصف التاسع سيتعرف البنكي على لعبة كرة الطاولة، ويحترفها، ويصبح ممثلًا للجمهورية ويشارك في بطولات دولية.

“هل ألهتك كرة الطاولة عن الخط؟” سألته
“بالعكس، أفادتني كثيرًا، لم تكن مضيعة للوقت، كانت علمًا، ضبطني التدريب، وذهبت للبطولات ورأيت أبطال الجمهورية وصرت أتدرب مثلهم.. الانضباط والنجاح الذي حققته في الرياضة، عكسته على الخط فانتعش. تعلمتُ من كرة الطاولة أن الأمر لا يتعلق بالموهبة، بل بالدأب والتمرين المستمر، تحكمك في أعصابك، وتدبيرك لمهاراتك، كل هذه الدروس أفادتني، ربما قادني الله لتلك الرياضة لصقل موهبتي في الخط!” كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث عن كرة الطاولة.

“هل لديك طاولة في البيت؟” سألته وأنا أفكر أن أدعوه لمنازلة، لست محترفًا قطعًا، ولكن سنوات ممارستي لهذه اللعبة، تؤهلني للهزيمة من محترف بعد بذله قليلًا من الجهد.
“لا، خشيتُ أن تشغل الأولاد عن دراستهم، ثم لا بد أن تلاعبَ من هو فوق مستواك أو أقوى منك، إذا لاعبتَ من هم دونك سيتراجع مستواك!” قال هذا ثم أشار إليّ لأمد يدي إلى صحن الحلوى بجانبي قائلًا “تفضل كل من الحلوى” ومدّ يده وأخذ قطعة من مكعبات التيراميسو.

“لقد كان تركي للرياضة خطأ قاتلًا! بدأت يدي ترتعش، ولكن بسبب مداومتي على التمرين اليومي في الخط لا يظهر هذا الارتعاش”

“تكتب يوميًا؟ ألا تأخذ راحة ليومين مثلًا من التمرين؟” سألته مستغربًا.
“يومان مدة طويلة جدًا، كان أحمد كامل رئيس الخطاطين في الدولة العثمانية يقول: إذا تركت التمرين يومًا، أعودُ بعده مبتدئًا!.

الخط هندسة روحية، إذا تركت التمرين لا تطاوعك يدك، الدأب الرياضي علمني الالتزام. الخطاطون اليوم يثقون بالتقنية، يحفظون خطوطهم في الأجهزة ثم يركبونها في لوحات، وهذا ليس جيدًا.”

لا يترك عبيدة البنكي تمرينه اليومي في حضر ولا سفر. يسيطر على الخطاطين التزام صارم بالتمرين اليومي، ويرونه سبيلًا للإتقان. حين قُطعت يمين سلفهم الوزير ابن مقلة (ت 328هـ / 939 م) الذي بلغ الغاية في فن الخط حتى قال عنه أبو حيان التوحيدي (ذلك نبيُّ فيه، أُفرغ الخط في يده، كما أُوحي إلى النحل في تسديس بيوته). واظب ابن مقلة على تمرين يده اليسرى حتى أصبحت تضاهي إتقان يمينه. ولم يصلنا خط ابن مقلة وإن وصلتنا دهشة معاصريه من إبداعه.

“على ذكر الخطاطين الأوائل، هل وصلنا خط ابن البواب؟” سألته، كان أبو الحسن علي بن هلال المشهور بابن البواب المتوفى قبل نحو ألف سنة (ت413هـ / 1022م) من أئمة الخط في التاريخ الإسلامي، حتى لقد قال الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء: “الكتابة مُسلَّمة لابن البواب، كما أن أقرأ الأمة أُبيّ بن كعب، وأقضاهم عليّ [بن أبي طالب]، وأفرضهم زيد [بن ثابت]”

“نعم، وصلنا خط ابن البواب، عندي مصحف مطبوع، أصله موجود في مكتبة تشستر في دبلن، وهي طبعة خاصة. لي اهتمام خاص بالمصاحف، وعندي مجموعة طيبة منها.”

“كيف وجدت خطه؟”
“رائع، في يده سرٌ من أسرار الله، كما قال عنه الجيلاني. ولكن مدرسته مختلفة، تأثر به المصريون أكثر من العثمانيين”

دخل فتى وسيم وطويل، يحمل القهوة والعصير. “هذا ابني عبد الرحمن، ولد في عام 2010 ومنذ ذلك العام لم نزر سوريا”

هل لديه اهتمام بالخط؟” سألته ممازحًا.
“حاولتُ معه لكن دون فائدة، لدى بناتي شيء من الاهتمام بالخط”

مددت يدي لأتناول فنجان القهوة من يد عبد الرحمن الذي يعرف تفاصيل الضيافة، فيسكب القهوة بيساره ويقدّمها بيمينه، دون أن يملأ الفنجان “كنا نتحدث عن المصريين والأتراك، كيف هو حال الخط العربي اليوم في تلك البلدان؟”

“لولا إرسيكا لمات الخط العربي! لقد أحياه الأتراك من خلال المسابقات التي تنظمها إرسيكا. في تركيا تقام المسابقات في الخط على مستوى البلديات” تأسس مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية “إرسيكا” في عام 1979 كجهاز متفرّع عن منظمة التعاون الإسلامي، تقدمت تركيا بمقترح مشروع المركز خلال المؤتمر الإسلامي السابع، وتمت الموافقة عليه، ومقره اليوم بإسطنبول. بعد رشفات من فنجانه عاد ليقول ” تعرفت على إرسيكا في عام 1990 في أول زيارة لإسطنبول، شاركت بعدها في أربع مسابقات، وفزت بتسع جوائز، ثم صرت محكِّمًا فيها، ولكثرة المسابقات يفوتني أحيانًا معرفتها، هناك مسابقة في ولاية قونية في الشهر القادم ولم أعرف أني أحد محكميها إلا من النت” وانفجر بالضحك.

“أراك في حسابك في موقع إكس كثير التغزل بالشاي، يبدو أنك تحب الشاي لحبك إسطنبول؟”
“أبدا، أحب الشاي كثيرا، الشاي مشروب الحكماء. نحن في دير الزور مثل العراقيين والأتراك، في تعظيم الشاي، لكن طريقتنا في الدير أن نضع الورق بعد أن يُغلى الماء، ولا نطبخه طبخًا كما يفعل غيرنا، ثم نغطيه لمدة ربع ساعة، لابد من تغطيته حتى يتخدر”

ألا تشرب الشاي التركي، المطبوخ في السماور؟
” بلى، لكن الشاي التركي لآخر الليل، هو شغلة مزاج، لدي شاي من مدينة ريزا التركية لونه فاتح، أخلطه بالسيلاني، حتى أجمع بين اللون السيريلانكي والنكهة التركية!”

حين وجدتُ مزاجه قد طاب كثيرًا وأخذ في الحديث عن الشاي بأريحيّة، أردتُ أن ينتقل هذا التدفق إلى قصة كتابته للقرآن. فبادرته:

“احكِ لي قصة كتابتك للقرآن”
“في بداية الألفية عام 2001، أطلقت وزارة الأوقاف في قطر مسابقةً لكتابة المصحف، تقدّم 120 خطاطا، كان المطلوب منهم في المرحلة الأولى كتابة خمس صفحات. انتقل سبعة منهم إلى المرحلة الثانية، وكان المنافسة في كتابة جزئين هما: الثاني والثامن والعشرون، لاختبار المتسابقين في التعامل مع الآيات الطويلة والقصيرة. وتجاوز المرحلة خطاطان كنت أحدهما. وبدأ الخطاطان رحلة كتابة المصحف كاملًا. في 2004 غادرت سوريا إلى قطر للتفرغ لكتابة المصحف، واستغرقتني الكتابة ثلاث سنوات ونصف. اعتكفتُ، أعمل يوميًا، لا يقطعني شيء إلا الصلاة، كنت بين عبادة وكتابة. بعد إتمامه، سافرت إلى مصر لمراجعة المصحف في الأزهر، راجعوه ثلاث مرات قبل الطبع. ثم ذهبت إلى اسطنبول، لطباعته هناك.

    المصدر :
  • الجزيرة