“تعري المشاهير”.. هل تخضع المرأة لتصورات الرجال حين تتبرج أم تتحرر من المجتمع؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“الرجال يحلمون بالنساء، النساء يحلمن بأن يحلم الرجال بهن، الرجال ينظرون للنساء، والنساء ينظرن إلى أنفسهن حالما ينظر الرجال إليهن، تتلقى النساء النظرات دائما، تعمل تلك النظرات كمؤشرات تُذكّرهن كيف يبدون أو كيف يجب أن يبدون، فوراء كل نظرة حُكم، حتى تلك النظرة التي يرون أنفسهم من خلالها عبر المرآة، نعم فالأحكام في كل مكان.

دائما ما تمتلك المرأة رفقة حتى عندما تكون وحدها، كصورتها التي تبقى ملاصقة لها عن نفسها، حيث هناك دائما عوالم موازية تعيش فيها المرأة بجانب حياتها الواقعية، فمن الطفولة المبكرة يتم تعليمها وإقناعها بمراقبة نفسها بشكل دائم، يجب أن تراقب وتُحصي كل ما هي عليه وكل ما تفعله، لأن كيفية ظهورها أمام الناس وخاصة الرجال هو شيء ذو أهمية محورية لها كجسد، وكمفهوم له خصوصيته.

في حفل ختام مهرجان القاهرة في دورته الأربعين، وفي ظل تغطية إعلامية دورية وروتينية لأشهر النجوم والنجمات المصريين وأحيانا العالميين، أخذت التغطية منحى آخر غير روتيني، في لحظة وجدت الممثلة رانيا يوسف نفسها تحت ضغط مرعب وتغطية مكثفة على التلفاز والإنترنت ومواقع التواصل، لم يكن ذلك بسبب فيلم جديد ناجح أو تصريح غريب، كان ذلك فقط بسبب فستان كاشف لأجزاء متعددة من جسدها.

في الفكرة التي أوردناها بالأعلى، يتناول الناقد والكاتب الفني جون بيرجر فكرة رؤية النساء لأنفسهن ورؤية الرجال لهن، يندرج تحت تلك الفكرة بالطبع مفهوم الأزياء والجسد، فمظهر المرأة منذ عصور قديمة يُمثّل جانبا مهما، ويجتذب الكثير من الأعين التي تسعى لفهم المجتمع وتشكيل وجهة نظر حولها(1) وبعيدا عما يتصل بالأحكام الأخلاقية ومساحات الحرية؛ توجد خلافات كبيرة لم يتم حسمها حتى اليوم بين النسويات والنسويين والداعمين بشكل عام لحريّات المرأة حول مفهوم الأزياء، ويتجلى الخلاف الرئيس في ملابس المشاهير وتصرفاتهم، النساء منهم بشكل خاص.

نجد الخلافات حول ما قررت ارتداءه رانيا يوسف تتنقل بين الأحكام الدينية أو الأخلاقية ورفض الفعل كفعل فاضح بل والوصول به لقاعات المحاكم، وبين رؤيته كحرية شخصية مطلقة، لأن لكل امرأة الحق بأن تظهر كيفما ترغب، لكن في نهاية الخط نجد رد الممثلة نفسها، والذي يبدو كتنصل مقحم من فعل اختارته بحريتها، وكان من الممكن أن تتمسك وتعتد به فقط لإثبات أن النساء حرائر فيما يرتدينه ولا يجب عليهن انتظار موافقة الرجال، سواء بشكل مجتمعي أو سلطوي، لكن هل حرية ارتداء النساء للأزياء تتعلق فعلا بما تريده النساء أم هو شكل آخر من السلطة الأبوية الذكورية عليهن؟

النسوية والجسد الأنثوي

ترتبط دائما فكرة الحرية في المظهر والجسد بالنسوية، يتخذها البعض كمادة للتندر ويحترمها البعض كاتجاه فكري، لكن النسوية ليست قانونا صلبا يسير عليه الجميع، بل مساحات متعددة من الاختيارات، لكن، ولسبب ما، يصبح ذلك الاختيار شائكا عندما يتعلق بمظهر المرأة وجسدها الأنثوي.

للجسد الأنثوي تاريخ طويل من التعرض للاستغلال، بشكل حرفي أو معنوي، فهو الذي يبيع المنتجات ويزيد المشاهدات ويتحكم في التصنيفات العمرية أكثر من غيره، ارتبط ذلك المفهوم بالسينما في بدايتها، كان هناك رقابة محكمة على العري السينمائي في أميركا، لكن الوضع كان أكثر تحررا في أوروبا، فأصبح العامة يتعاملون مع الأفلام الأوروبية كأنها وسيلة لمشاهدة الأجساد العارية بشكل مشروع، لكن فكرة العري انتقلت من السياق الدرامي لسياقات أوسع.

عادة ما تكون افتتاحات الأحداث السينمائية والتلفزيونية أو الموسيقية عروضا لأزياء الممثلات والممثلين، المطربين والمطربات، والمشاهير بشكل عام، تمر الكاميرا من أعلى لأسفل على كل زي، من تسريحة الشعر وحتى لون الحذاء، يسأل المراسلون النجمات حول من يقف وراء التصميم الذي يرتدينه هذا اليوم، فتتزاوج المصالح ويصبح ارتداء نجمة لتصميم أحد المصممين دعاية مهمة له، لكن في السنوات الأخيرة وخاصة من بداية التسعينيات أصبح من المهم للنجمات أن يخرجن عن المألوف، إحداهن ترتدي فستانا دون ظهر، وأخرى ترتدي فستانا ذا فتحة من الأمام، فتضج وسائل الإعلام وتتوجه لتغطية هذا الحدث، أو الجسد بصورة أدق!

النسوية وثقافة الشهرة

لا تتعلق القضية بالمجتمعات المنغلقة أو التي تتحكم فيها السلطات الدينية، فقضية الجسد والأزياء والشهرة تُثير الجدل في كل مكان في العالم، في عام 2017 أحدثت صورة للمصور الشهير تيم ووكر حراكا واسعا في الأوساط النسوية وفي الرأي العام، ليس بسبب الصورة نفسها ولكن بسبب الموضوع الذي تم تصويره، وهي الممثلة الإنجليزية المحبوبة إيما واتسون، حيث رسخت واتسون نفسها بعدما تخطت نجاحها كطفلة ومراهقة في سلسلة هاري بوتر كأيقونة نسوية، تقف في مقدمة أي دفاع عن قضايا المرأة، وتشارك ماديا ومعنويا في جمعيات خيرية وثقافية، فهي شخصية محبوبة يتوقع منها الجميع تصرفات معينة ترضي تصورهم السابق عنها.

تظهر إيما في الصورة مرتدية غطاء صغيرا للكتف فيظهر باقي جسدها عاريا، انهالت التعليقات عليها تتهمها أنها نسوية مزيفة، لأنها بما فعلته تخضع لتصورات الرجال عن شكل وجسد المرأة، بل وتستخدم نفسها لإرضاء “النظرة الذكورية”، وهو مصطلح ظهر على يد الناقدة السينمائية النسوية لورا مولفي، حيث يعتبر ترسيخا لما يريده الرجل، وبالكيفية التي يصور بها المرأة في لوحاته وأفلامه وصوره، كسلعة جنسية في الغالب، ويسقط عليها رغباته وتصوراته دون إعطائها صوتا خاصا بها، لكن ذلك لا يبرئ المرأة من الخضوع لتلك النظرة، وهو ما يجعل فكرة حرية الاختيار محل جدال.

تقول الناقدة ريني إيدو لودج في مجلة فاريتي إن جزءا من وظيفة الممثلة أو المغنية هو أن تكون معروضة، ولجسدها دور في ذلك، يجب أن تكون في أبهى حُلّة طوال الوقت، لكنها ترى أن نظرة النسويات للأنوثة كشيء يجب مداراته عن الأعين قد اضمحلت منذ الستينيات، وأن احتضان النساء لطبيعة أجسادهن بل والتفاخر بها أحيانا هو خيار محمود ولا يقلل من مقدار نسويتهن من شيء، بل يجب الدفاع عن خياراتهن في التصرف في أجسادهن كما يحلو لهن حتى وإن كان هذا يعني الرضوخ لتصورات الذكور.

لكن على الجانب الآخر توجد نسويات يرفضن فكرة تشييء جسد المرأة وخاصة في حالة المشاهير رفضا قاطعا، وأن رضوخ النساء أنفسهن لتلك الفكرة يُعد رضوخا للسلطة الذكورية التي رسخت المرأة في الفنون كشيء يُنظر إليه، كما يقول جون بيرجر عن الرسم الأوروبي الكلاسيكي، فاللوحات التي تحوي نساء هي عناصر مخصصة لمتعة الذكور من رسامين ومشاهدين، والمرأة مجرد مفعول به، وبتطبيق ذلك على ثقافة المشاهير فإن النظرية تتكرر من جديد لكن بوعي جديد ومختلف، فالنساء لم يعدن مجبورات على ذلك أو ينقصهن الإدراك، ولكنهن يقبلن الانصياع لما يرونه حرية.3

تتداخل النظرات والنظريات، وتختلف الجدليات في المجتمعات المختلفة، ففي أميركا وأوروبا والدول الأكثر انفتاحا نجد خلافات متعلقة بحرية المرأة ومدى رضوخها لسلطة الرجال، وفي المجتمعات العربية تتخذ الخلافات مناحي أوسع، يتخللها ذات الخلاف القائم في العالم الأول حول الحريات وحق المرأة في اختيار أزيائها واختيارها في كشف جسدها أو تغطيته، لكن يقع الجدال الأكبر حول أخلاقيات المجتمع سواء بمرجعية دينية أو حتى مجرد مرجعية شعبية لما يجب أو لا يجب حدوثه، وبينما تحاول النجمات الدفاع عن أفعالهن سواء رآها المجتمع خاطئة أو صحيحة، يحدث أن يُجبر التسلط الاجتماعي النجمات على أن يتملّصن من أفعالهن وكأنهن أُجبرن عليها، فينتفي الجدال المتعلق بالدين أو الحريات ويبقى جدال آخر يتعلق بالمجتمع والإعلام ومدى صدق كل طرف في المعادلة فيما يطرحه.

المصدر الجزيرة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً