استمع لاذاعتنا

“دقيقة حداد”.. وقت مستقطع للتعبير عن الحزن.. فمن أين جاءت؟

سواء تعلق الأمر بالاجتماعات عالية المستوى، أو تجمعات الأشخاص العاديين في الشوارع، أصبحت دقيقة الصمت أهم وسيلة لإظهار الحزن والتعاطف الجماعيين، لكن ما هي القصة وراء هذه الدقيقة؟ كيف جاءت ولماذا؟ هذا ما سنتعرف إليه من خلال هذا التقرير.

 

جذور دقيقة الصمت

 

في الحقيقة، تعود جذور دقيقة الصمت إلى معقل اللاعب العالمي كريستيانو رونالدو، نعم، أي أنها تعود إلى البرتغال، وتحديداً إلى العاشر من شهر فبراير/شباط سنة 1912، عندما توفي الديبلوماسي البرازيلي “جوسي ماريا دا سيلفا بارانيوس” بعد معاناته مع الفشل الكلوي، قد تتساءل ما علاقة البرازيل بالأمر إن كنا قد ذكرنا أن دقيقة الصمت قد ظهرت في البرتغال!

لكن ما يجب معرفته هنا هو أن هذا الديبلوماسي كان يتمتع بشعبية وحب بالغين عند البرتغاليين؛ لأنه كان من أكبر الشخصيات التي دعمت الثورة البرتغالية وساندت إقامة الجمهورية البرتغالية بدل النظام الملكي، ما تسبب في موجة حزن عارمة عند وصول خبر وفاته إلى لشبونة، وجعل رئيس مجلس الشيوخ آنذاك يقرر تخصيص عشر دقائق كاملة حزناً على روح الفقيد.

 

لكن لماذا الصمت تحديداً؟

 

في محاولة لفهم السبب الذي أدى إلى اختيار الصمت والمحافظة عليه كوسيلة جماعية لإظهار الحزن، قام المؤرخ الفرنسي “باتريك بوشرون”، الذي قضى سنوات عديدة في البحث خصيصاً عن هذا الموضوع، بتفسير هذا الأمر على أنه أسلوب يحذف جميع الفروق الدينية بين الحاضرين، وبالتالي فإنه طريقة “لا دينية” توحد جميع الأشخاص المتواجدين في التجمع، وتمكنهم من إظهار حزنهم وتعاطفهم بدل قيام معتنق كل ديانة بالصلاة على طريقته في التجمع نفسه، وهو الأمر الذي يصبح أكثر منطقية إذا علمنا أن البرتغال كانت قد اعتنقتالعلمانية قبل سنة من وفاة دا سيلفا بارانيوس.

 

تطور العمل بهذه الطريقة

 

تطلب الأمر الانتظار ست سنوات بعد سنة 1912 حتى يطبق، وذلك في بريطانيا حزناً على أرواح الجنود القتلى في الحرب العالمية الثانية، وقد تم اقتراح تخصيص خمس دقائق في البداية، إلا أن الملك جورج الخامس قرر أن هذه المدة أطول من اللازم واختار أن يتم العمل بدقيقتين فقط بدل ذلك.

ولم يتحول هذا العرف إلى “دقيقة صمت” بالفعل إلا سنة 1919 بفرنسا التي خصصت دقيقة حزناً على فقدان مجموعة من الجنود، ومثلما نلاحظ، فإن تخصيص فترات للصمت لم يكن مستعملاً في البداية إلا عند رحيل الشخصيات المهمة أو الجنود الذين أدوا خدمة للوطن، إلى أن تحول شيئاً فشيئاً مع مر السنوات، فأصبحت تُخصص أيضاً للأشخاص العاديين الذين راحوا ضحية حدث كارثي، مثل الكوارث الطبيعية أو الأعمال الإرهابية.

بالإضافة إلى ذلك، نجد أن الأمر قد انتقل من الإطار الرسمي الذي كان يقرر متى وأين سيتم تخصيص هذه الدقيقة، إلى الشوارع والتجمعات التي تضم أشخاصاً عاديين لا علاقة لهم بكل ما هو رسمي.

 

هل تستمر “دقيقة الصمت” دقيقة فعلاً؟

 

فيما يتعلق بيومنا هذا، وبتكاثر الأعمال الإرهابية في العالم، أصبح بإمكاننا مشاهدة “دقيقة الصمت” على التلفاز أو على الإنترنت، لكن دون أن يخطر ببالنا إن كانت تلك المدة تتحدد في دقيقة بالفعل، في الواقع، يمكنك تجربة الأمر بنفسك، كل ما عليك فعله هو إحضار مؤقت إلكتروني أو استعمال الكرونومتر على هاتفك.

وستجد أن دقائق الصمت الحالية لا تصل -تقريباً- أبداً إلى دقيقة كاملة، بل إن مدتها في الغالب لا تتجاوز 35 ثانية، وهو في الحقيقة ما يجعل الترجمة الإنكليزية The Moment of Silence أقرب إلى الصواب.