إسرائيل تلعب بالنار و”اليونيفيل” عين ساهرة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كاد صراخ العمال في موقع بناء الجدار الإسرائيلي في رأس الناقورة أن يكون الصوت الوحيد الذي يخترق الهدوء العميق في المنطقة، لولا طائرة استطلاع رسمت خطوطها البيض في السماء، مذكرة بالاستباحة المستمرة لأجواء لبنان على رغم مرور أكثر من 18 سنة على الانسحاب الاسرائيلي من أرضه. فخلافاً لطبول الحرب التي تقرع هنا وهناك منذرة بمواجهات جديدة بحجة الجدار حيناً والبلوك 9 أحياناً، تمر المنطقة بفترة هي الاكثر هدوءا منذ 2006، بحسب قوة الامم المتحدة الموقتة في لبنان، “اليونيفيل”، ولا شيء فيها يوحي بتوتر بين الجيش اللبناني وقوة حفظ السلام الدولية، خلافاً لما حاولت اسرائيل الايحاء به أخيراً. ومع ذلك، لا أحد يضمن بالا يكون في تلك السكينة شيء من الهدوء الذي يسبق العاصفة.

لا تبدو اسرائيل مستعجلة في بناء جدارها الذي تقول إنه يهدف الى منع “حزب الله” من احتلال البلدات الإسرائيلية الحدودية أو أسر جنود فيها، في حال حصول مواجهة جديدة . الورشة المفتوحة في الناقورة متواضعة. بضعة عمال يرصون ألواحاً اسمنتية جاهزة عرض كل منها متر ونصف متر تقريباً وطوله نحو خمسة أمتار، بموازاة الخط الازرق، مستعينين ببوكلين لإنزال ألواح من شاحنة متوقفة في المكان. ويتحرك هؤلاء تحت أنظار جنود لبنانيين في برج للمراقبة من جهة، وضباط اسرائيليين، بينهم امرأة، وضابطين من “اليونيفيل” من الجهة المقابلة.

صار بناء الجدران تقليداً لإسرائيل يزيد عزلتها في المنطقة. فالجدار الذي تشيده جنوب الخط الازرق هو السابع بعد ستة أقامتها مع مصر والأردن وسوريا ولبنان (كفركلا) وقطاع غزة، إضافة إلى جدار الفصل العنصري الأكبر في الضفة الغربية. وصارت كلمة الجدار متداولة بالعربية بين العمال الاسرائيليين. وقال لنا أحدهم: “يلا، سيلفي والجدار خلفي”.

يقول الجيش الإسرائيلي إن الجدار سيحمي تلك البلدات الحدودية من أية صواريخ مضادة للدروع قد تستهدف المنازل القريبة من الخط الحدودي، ومنع الحزب من مراقبة التحركات العسكرية والمدنية هناك. ومع ذلك، لا توحي الامتار الـ500 تقريباً المنجزة حتى الان بقدرات كهذه. وكذلك، لا تزال ممكنة رؤية السياح والاسرائيليين على الطريق الشاطئية التي تعتبر امتداداً لبوابة روش حانيكرا، بالعين المجردة.

وعلى مسافة أمتار قليلة من الخط الازرق، تتناوب مجموعات راجلة حيناً ومؤللة أحياناً من “اليونيفيل”، لرصد اية انتهاكات استناداً الى التفويض الممنوح لها بموجب القرار 1701.

الضابط القبرصي دميتريس نيوكليونز الذي كان على مسافة أمتار من برج المراقبة للجيش يقول إن الدوريات تكثفت أخيراً لتجنب حصول اية مشاكل نتيجة بناء الجدار، مضيفاً أن كل شيء يسير على ما يرام حتى الان، “لأن السلطات اللبنانية تقول إن بناء الجدار ممكن الا في المناطق المتنازع عليها”.

في رأس الناقورة تحديدا، تقع أولى نقاط التحفظ اللبنانية لجهة البحر، وهي نقطة “B1” في منطقة روش حانيكرا وهي توصل إلى الحدود البحرية المتنازع عليها ايضاً، بما فيها “البلوك 9”. ولكن هناك تجنبت اسرائيل البناء، أقله حتى الان، مفككة أول الصواعق. فلو مضى الاسرائيليون ببناء الجدار هناك، لكان سيقضم معه آلاف الكيلومترات المربعة من المياه الإقليمية ومن ضمنها البلوك 9، الذي سبق للحكومة اللبنانية أن لزمت أشغال الاستكشاف فيه.

وبناء على التسوية غير المعلنة، ابتعدت اسرائيل 25 متراً تقريباً عن النقطة التي يتحفظ عنها لبنان، وبدأت تشييد الجدار عند مستوى أعلى من الشاطئ صعوداً، ملتزمة حتى الان الترسيم الدولي للخط الازرق الذي وافق عليه لبنان. ولكن التصريحات التي أطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان في 31 كانون الثاني الماضي بملكية اسرائيل للبلوك 9 تؤكد أن اسرائيل تلعب بالنار.

اللبونة ومروحين والبستان

وإذا كانت المواجهة المحتملة عند B1 قد علقت حالياً، فإن النقاط الساخنة الاخرى ليست بعيدة وليس معروفاً كيف ستتعاطى اسرائيل معها.

ويقول العميد المتقاعد أمين حطيط الذي كان في عداد الوفد اللبناني – الدولي الذي شارك في ترسيم الخط الازرق عام 2000، أن اسرائيل تحايلت على النقطة B1، وهي تحاول إعادة قضم المساحة التي استعادها لبنان بعد اعتراضه على الصيغة الأولى التي تقدّمت بها الأمم المتحدة للخط الأزرق عام 2000 والتي كانت متباينة مع الحدود الدولية.

أما الاختبار الثاني ، فسيكون بحسب العميد المتقاعد، في مناطق اللبونة ومروحين والبستان، وهذه النقاط تقع على التوالي على مسافة 3 كيلومترات و3 كيلومترات وكيلومترين.

وكانت صحيفة “هآرتس” نشرت في 27 شباط الماضي، خريطة حددت فيها النقاط الـ13 التي يتحفظ عنها لبنان على الخط الازرق، وهي من الغرب الى الشرق، روش حانيكرا (الناقورة) وثلاث نقاط في شلومو حانيتا (علما الشعب) وشوميرة (البستان) وشتولا (مروحين) وهارأدير (رميش) وأفيفيم (ماون الراس) ويفتاح (بليدة) وكريات شمونة (ميس الجيبل) وثلاث نقاط في متولا (متولا (العديسة-كفركلا).

موقف لبنان واضح في شأن مرور الجدار الاسمنتي في هذه النقاط، وقد كرره المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم بقوله لمجلة “الامن العام” الاسبوع الماضي أنّه “إذا بدأ العدو الصهيوني بناء الجدار في البقع المتحفظ عنها ستكون العودة إلى ما تقرر في المجلس الأعلى للدفاع ملزِمة”.

وهو كان يشير الى اجتماع المجلس الاعلى في السابع من شباط الذي أكد أن “الجدار الإسرائيلي في حال تشييده على حدودنا يعتبر اعتداء على سيادتنا وخرقا للقرار 1701″، وقرر “الاستمرار في التحرك على كل المستويات الاقليمية والدولية للتصدي ولمنع اسرائيل من بناء الجدار الفاصل”. وشدد على ان “إسرائيل معتدية أيضا على المنطقة الاقتصادية الخالصة بمساحة تبلغ 860 كيلومتراً”.

“اليونيفيل”

تناقض الاجواء السائدة في منطقة عمليات اليونيفيل الممتدة من جنوب الليطاني حتى الخط الأزرق، أصداء طبول الحرب التي تقرع هنا وهناك منذرة بغزو اسرائيلي بري يصل الى بيروت حيناً، وغارات تدمر لبنان أحياناً وصولاً الى استخدام اسرائيل مصطلحاً جديداً هو “جبهة الشمال”، ما يشير الى أن لبنان وسوريا سيكونان جبهة واحدة في حال حصول حرب جديدة.

على نقيض تلك الاجواء، يقول الناطق باسم “اليونيفيل” أندريا تيننتي إن الوضع في منطقة عمليات اليونيفيل هادئ ومستقر ، أما الجدار الاسرائيلي الذي يبنى حالياً فهو يلتزم المسار جنوب الخط الازرق ولا يشمل النقاط المتحفظ عنها . ويعمل قائد “اليونيفل” الجنرال مايكل بيري بالتنسيق التام مع الاطراف في شكل يومي في محاولة للتوصل الى حل مشترك لهذه الازمة.

تنفذ قوات اليونيفيل حالياً 450 دورية يومياً، ليلاً ونهاراً، مؤللة وراجلة وجوية، أي ما يعادل 40 الف نشاط شهرياً. ويؤكد تيننتي أن “بعض هذه النشاطات ينفذ بالاشتراك مع الجيش اللبناني.، وكل العمل منسق معه”.

ومنذ اطلاق اسرائيل أعمال بناء الجدار، تكثفت اجتماعات اللجنة الثلاثية اللبنانية الاسرائيلية-الاممية. والشهر الماضي عقدت اللجنة اربعة اجتماعات تزامنت مع حركة ديبلوماسية أميركية مكثفة في اتجاه لبنان.

فقد زار مساعد وزير الخارجية الاميركي ديفيد ساترفيلد لبنان واسرائيل مراراً للتوسط في النزاع الحدودي البري والبحري. كذلك، تفقد المنطقة الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة عمليات حفظ السلام جان- بيار لاكروا.

ويقول تيننتي إن زيارة لاكروا كانت مهمة جداً لإظهار دعم نيويورك للبعثة. وهو كان مسروراً برؤية بعثة عملانية جداً. وعندما التقى الزعماء اللبنانيين سمع كلاماً ايجابياً بالنسبة الى عمل البعثة. الى ذلك، أبرز أهمية زيارة لاكروا قبل مؤتمر روما الذي يعتبر فرصة جديدة لتأمين الدعم الضروري للجيش اللبناني لتنفيذ مهمته.

لم ترصد “اليونيفيل” بحسب تيننتي أية خروقات في بناء الجدار حتى الان. ويقول: “نركز على مراقبة اي عمل أو خلل عمل حول الخط الأزرق. حتى الان تجري الاعمال جنوب الخط الازرق.ونبذل جهدنا مع الفريقين للتوصل الى حل للمشاكل المتعلقة بالنقاط المتحفظ عليها. الحوار مفتوح، واجتماعات اللجنة الثلاثية مستمرة، وتعقد اجتماعات على مستوى ثنائي بين اليونيفيل ولبنان وبين اليونيفيل وإسرائيل. ولم يخرج أحد من اي اجتماع” .

منذ 12 سنة، تشهد المنطقة إحدى الفترات الاكثر هدوءا في تاريخ لبنان. ويقول الناطق الدولي: “نريد الحفاظ على هذا الاستقرار”.وهو حرص خصوصاً على اظهار الفارق الكبير بين النبرة السياسية العالية في الاسابيع الاخيرة، وبين الواقع، قائلاً: “عندما تأتي الى الجنوب أو تتحدث مع الطرفين المعنيين، يمكن ملاحظة أن أحداً ليس متحمساً لحصول نزاع، وثمة رغبة حقيقية في الحفاظ على الاستقرار”.

وبين النبرة العالية والواقع، هل يتوقع حصول حرب، يقول: “نحن ننظر الى الامور بطريقة ايجابية وواقعية. نظراً الى الوقائع على الارض لا نرى اية حماسة للحرب.ولكن اليونيفيل مستعدة لكل شيء. نحن هنا لمراقبة وقف الاعمال العدائية، ومع قوة كبيرة كاليونيفيل (10500 جندي) من 41 دولة، من المهم لنا منع التوتر، وتجنب الوصول الى تلك المرحلة”.

 

المصدر النهار

موناليزافريحة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً