تقرير مالي اقتصادي مذهل عن “مؤامرة” السياسيين والمصارف

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أنجز كل من سامي حلبي وجاكوب بوسوال دراسة بالغة الدقة تكشف كيف أنه بعد تحقيق الربح طوال عقود، يرفض السياسيون والمصارف الآن تحمل نصيبهم العادل من الخسائر لإنقاذ الاقتصاد اللبناني.

في قلب الاقتصاد اللبناني، يقع نظام مالي أثرى المصارف والسياسيين وأقلية من أصحاب الحسابات لسنوات.

الأمر معقد ولكن ثمة تفسير بسيط: أبرم مصرف لبنان المركزي صفقات مع المصارف الحكومية والمصارف التجارية المحلية لجذب العملات الأجنبية عن طريق تقديم أسعار فائدة أعلى ومتزايدة على الدين العام، في مقابل ودائع بالعملات الأجنبية.

ويعرف معظم اللبنانيين أن الدين يبلغ قرابة مرة ونصف حجم الاقتصاد البالغ 55 مليار دولار.

ولكن قلة فقط هم الذين يعرفون أن المصرف مدين للبنوك أيضًا بمبلغ يعادل ضعف حجم الاقتصاد. فكيف تمكن لبنان من مراكمة كومة ديون بقيمة 180 مليار دولار تساوي 3.5 أضعاف حجم اقتصاده من دون أن يلاحظ أحد ذلك منذ زمن طويل؟ يتضمن الجواب قليلاً من التاريخ، وانعداماً للشفافية، فضلاً عن مخطط احتيالي منظم ومصمم جيداً: مخطط بونزي.

السندات الخردة

في عام 1997، ثبّت مصرف لبنان المركزي السعر المتقلب لصرف الليرة عبر ربطها بالدولار الأميركي. وللحفاظ على هذا الربط ومنع تدهور قيمة الليرة، احتاج لبنان إلى تدفق مستمر للدولار، كي يكون للورق المطبوعة عليه الليرة قيمة فعلًا.

ومنذ ذلك الحين، قدم مصرف لبنان المركزي والدولة للمصارف المحلية تاريخيًا أسعار فائدة أعلى بكثير من أسعار السوق الدولية مقابل استثمار هذه المصارف في الدين الحكومي [انظر السطرين ب وج في الرسم البياني].

وفي الوقت نفسه، يقدم مصرف لبنان المركزي للمصارف التجارية أيضًا أسعار فائدة أعلى من السوق ويصدرها بشهادات إيداع (ب). وعلى مدى عقود، قام المهندسون الماليون في لبنان، الدولة والمصارف التجارية المحلية ومصرف لبنان المركزي، بإعادة تدوير تلك الأموال بالدولار، ما أفاد القطاع المصرفي وترك الشعب اللبناني يدفع الفاتورة.

الرسم البياني

لطالما قالت وكالات التصنيف الدولية إن ديون الدولة اللبنانية وائتمان بنوكها يعرف كسندات غير مرغوب بها (junk). ذلك لأن أي شخص لديه معرفة أساسية باقتصاد لبنان يعرف أن البلاد، باستثناء القطاع العقاري المبالغ في أسعاره، تنتج القليل جدًا مما يجذب العملات الأجنبية. ومن دون توليد قيمة حقيقية، لا بد أن يفشل أي استثمار في النهاية، ما لم يدفع للمستثمرين المال الذي يجلب من مستثمرين آخرين يحصلون على عوائد أعلى. وبعبارة أخرى، فإن النظام يشبه جدًا مخطط بونزي (وهو عملية احتيال استثمارية اشتهر بها تشارلز بونزي في عشرينيات القرن الماضي). الفرق الوحيد بين مخطط بونزي الأصلي ونظام لبنان هو أن المهندسين الماليين أضفوا على المخطط طابعاً مؤسسياً رسمياً في لبنان. بقيت الأمور تسير على ما يرام – على الأقل حتى بداية الانتفاضات العربية والنزاع السوري في عام 2011.

من الازدهار إلى الركود
عندما اندلعت الأزمة السورية، بدأ عرض الدولارات الجديدة في التعثر، بسبب انعدام الثقة في الاقتصاد والنظام المالي اللبناني، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وتراجع التحويلات وتدفق رؤوس الأموال من المغتربين اللبنانيين في الخارج [د]. واستجابة لهذا النموذج الجديد، اتخذ مصرف لبنان المركزي خطوة يائسة لدعم النظام الفاشل. في عام 2016، بدأ المصرف في تقديم عوائد سخية للمصارف التجارية مقابل أي دولارات جديدة يمكن أن تجلبها من عملائها. وأصبح هذا معروفًا باسم “الهندسة المالية”، التي انتهت إلى منح المستثمرين أسعار فائدة تصل إلى 11 بالمئة في وقت تقل فيه أسعار الفائدة عن الصفر في بلدان أخرى [و].

وكان لكل هذه المناورات المالية عبء سنوي على الدولة اللبنانية والشعب، الذي يفترض أنها تخدمه. في عام 2018، دفعت الدولة لخدمة هذا الدين فوائد بقيمة 5.59 مليار دولار، أي نصف إجمالي إيراداتها، في حين يدفع مصرف لبنان المركزي، وفق حساباتنا، قرابة 4 مليارات دولار في السنة فوائد للمصارف التجارية مقابل المبالغ التي يحتفظ بها في خزائنه. وقد سبب هذا النظام المالي، طوال الوقت، انخفاض سعر السوق الحقيقي لليرة، ما يعني تدهور رواتب ومعاشات القطاع العام. وربما الأسوأ لم يأت بعد.

أعمال مصرفية تحت جنح الظلام
إن انعدام الشفافية أحد الأسباب التي لا يمكن لأحد التنبؤ بها عند حدوث الأزمة. معظم المصارف شركات مسجلة في القطاع العام، وبالتالي ليست ملزمة (أو ستلزم) بنشر أرباحها وخسائرها في الوقت المناسب وبطريقة موثوق بها. والأسوأ من ذلك أن مصرف لبنان المركزي أيضًا، وهو مؤسسة عامة، ليس ملزمًا (أو سيلزم) بنشر أرباحه وخسائره، أو عملات ودائعه، أو تفاصيل صفقاته مع المصارف التجارية للاحتفاظ بأموال المودعين. ويتعين على الاقتصاديين الاعتماد على مجموعة كاملة من الفرضيات والوثائق المسربة، لتقدير المبلغ المستحق على مصرف لبنان المركزي للمصارف التجارية وبأي عملات.

استنادًا إلى حساباتنا وإلى الوثائق المسربة، بلغت موجودات المصارف التجارية بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان المركزي (بما في ذلك شهادات الإيداع واحتياطيات الدولار) ما يعادل 60.82 مليار دولار في تموز/يوليو 2019 [ب]. في الواقع، بحسب تقديراتنا، تكبد مصرف لبنان المركزي خسارة قدرها 2.55 مليار دولار في عام 2018. وما عدا السيد سلامة، لا أحد يعلم تمامًا عمق المأزق الذي يواجه مصرف لبنان المركزي. لكن معظم التقديرات تشير إلى أنه حتى لو أنفق لبنان كل احتياطياته التي ادخرها منذ نشأته بما فيها الذهب، فإنه سيظل مدينًا لمصارفه بنحو 30 مليار دولار أميركي. كما يدين مصرف لبنان المركزي للمصارف بمبلغ 60 مليار دولار أو نحو ذلك بالليرة اللبنانية، وهذا سبب لقلق أقل نظرًا لأنه يستطيع طباعة الليرة قدر ما يشاء.

أولاد مشاغبون
بعد قرابة شهر من بدء الاحتجاجات، عقد حاكم مصرف لبنان المركزي مؤتمرًا صحافيًا قال فيه أن لا ضوابط ستفرض على رأس المال، وسيبقى الربط مع الدولار، ولن يكون ثمة تخفيض على المديونية المزدوجة أو الفائدة. وبالطبع، لا شيء مما يقوله سلامة واقعي: فالليرة تُتداول حاليًا بسعر 1800 للدولار تقريبًا، ولا يستطيع المودعون السحب من حسابات ودائعهم بالدولار، ولا تحويل الأموال إلى خارج البلاد. لقد فرض سلامة حلاً عكسياً لموجودات مصرفه بالدولار الأميركي: إذا أرادت المصارف التجارية إيداع أموال مودعيها في مصرف لبنان المركزي من خلال مخطط بونزي منظم رسمياً، فيمكنها ذلك ومقابل فائدة 20%. أغلقت المصارف أبوابها لأكثر من أسبوع ردًا على ذلك. وبعد ذلك خرجت جمعية مصارف لبنان بمجموعة من “القواعد” الخاصة بها، التي فرضت فعليًا ضوابط على رأس المال بقيمة 1000 دولار أسبوعيًا لكل حساب وتسمح بالتحويلات في “حالات الطوارئ”. الليرة اللبنانية متوفرة بسعر 1507.5 للدولار.

تكمن المشكلة في أن قواعد جمعية مصارف لبنان غير ملزمة، ولا يزال بإمكان أي مصرف أن يفعل ما يحلو له، بما في ذلك تحويل الأموال خارج البلاد لأي عميل مدعوم سياسياً يرى أن لديه “حالة طارئة”. وأكثر من ذلك، فإن فرض سقف 1000 دولار على السحب يعني أن أي شخص يحتاج إلى أكثر من ذلك يجب أن يسحب الأموال بالليرة، ويذهب إلى السوق السوداء، ويحولها إلى دولار ويخسر 20% في هذه العملية: أي أن مصرف لبنان المركزي والمصارف التجارية ببساطة يخفضون قيمة حسابات المواطنين من دون إعلان، وبذلك يحملونهم خسائر مخطط بونزي مرة أخرى.

وهذا التوزيع السلبي للخسائر وتحميل عبئها للذين لا علاقة تذكر لهم بالأزمة الحالية، أو لا علاقة لهم بها على الإطلاق، هو سمة السياسيين والمصرفيين في لبنان، ناهيك عن النظام المالي العالمي. فبعد أن فشلوا في فرض ضرائب تنازلية جديدة على الناس لتحقيق التوازن في الموازنة، يقوم المصرفيون الآن بما لم يستطع السياسيون فعله، لكن من دون أن يزيدوا فعلياً أي إيرادات ضريبية جديدة. ويمكن أن تحدث قريباً سوابق خطيرة تقوض الضمان المالي الوحيد الباقي للبنان.

في الثامن والعشرين من تشرين الثاني بادر مصرف لبنان المركزي بدفع 1.5 مليار دولار لسندات اليورو (اليوروبوند) بالرغم من المخاوف التي تحوم حول تخلف لبنان عن سداد دينه. يشتبه عدد من المراقبين بأن مصرف لبنان دفع استحقاقات الدين من احتياطي الخزينة. وبما أن هناك أزمة بين المصارف التجارية ومصرف لبنان، فان شراء الدين من احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية هو مع الأسف الخيار الوحيد والأفضل لتجنب التخلف عن السداد. ولكن هذا سيكون له أثر سلبي على الأمد الطويل، وهو تلاشي وإنهاك احتياطي مصرف لبنان مما سيغرق المصرف المركزي و لبنان بمزيد من الدين؟

بدلاً من التصرف كأولاد مشاغبين ضبطوا وهم يهربون من المدرسة، على المصارف ومصرف لبنان المركزي والدولة أن ينضجوا ويجلسوا ويتحدثوا كالراشدين، عن سبل تخفيض الديون وموجودات مصرف لبنان المركزي، وجعل التمويل أكثر استدامة. وبما أن قرابة 95 بالمئة من الديون المزدوجة مملوكة لمؤسسات لبنانية، فإن هذه المناقشة المالية الصعبة تصب في مصلحة الجميع طالما أدارها راشدون وليس أطفالاً. لكن هذه المرة، يتعين على الأشخاص الذين حققوا أقصى استفادة من النظام المالي القديم أن يسددوا القسط الأكبر.

الخطوات المطلوبة ستكون غير مسبوقة، لكننا أيضاً نعيش ظروفاً غير مسبوقة. أولاً، بدلاً من قانون العفو العام، يلزم إصدار قانون يضع ضوابط رسمية على رأس المال ويمنع هروبه. ويمكن لهذا القانون أيضاً تسهيل الالتفاف على أو رفع السرية المصرفية (وهي عار لبناني آخر) عن حسابات الذين استفادوا أكثر من نظام بونزي المنظم. يجب دراسة هذه الحسابات ويمكن استخدام الأرباح الفلكية التي تحققت على مدار سنوات طويلة، لجعل الديون أكثر استدامة. من جانب مصرف لبنان المركزي، يمكن سداد مدفوعات الفائدة للمصارف مقابل سيولة بالدولار تحتاج إليها الأسواق. وبطبيعة الحال، لن يكون لأي مما سبق الأثر المنشود في المدى البعيد إذا لم يقترن بانتقال سياسي نحو دولة مدنية، تفتح الآفاق السياسية. عندها فقط يمكن للبنان إنتاج الحوافز المالية والدعم الدولي والتمويل لإعادة تشييد بناه التحتية المتدهورة والاستفادة من إمكاناته الحقيقية.

سامي حلبي وجاكوب بوسوال أعدا بشكل مشترك دراسة “الإطالة والتظاهر: دار البطاقات المالية في لبنان”. للاطلاع على الدراسة وتنزيل المخطط البياني:

http://www.thinktriangle.net/extend-and-pretend-lebanons-financial-house-of-cards-2/

يمكنكم متابعة Triangle على تويتر (Think_Triangle) وإنستغرام (triangle_policy) وفيسبوك (@ThinkTriangle.net).

 

المدن

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More