ثنائية الدولة-الدويلة ومعضلة الفساد في لبنان

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ليس خافيا أنّ الانتخابات النيابية في لبنان لم تحمل تغييرًا نوعيًا على مستوى التمثيل النيابي، فالأطراف الممثلة في البرلمان هي ذاتها تلك التي كانت في البرلمان السابق، والتغييرات التي جاءت ببعض النواب المعروفين بولائهم للنظام السوري في الظاهر ولـ”حزب الله” في الجوهر، لا تغير في واقع الحال شيئا، ذلك أن السلطة في لبنان لا تتأتى من حجم القوى الحاكمة داخل البرلمان، بل من مصدر آخر من خارج البرلمان ومؤسسات السلطة.

في لبنان لا يعني إذا كانت لديك كتلة نيابية تبلغ ضعف كتلة “حزب الله”، فأنت لديك حصة في القرار تتناسب مع حجمك النيابي، فـ”حزب الله” على سبيل المثال ليس لديه أكثر من خمسة عشر نائبًا، ولكن لا أحد يشك أن هذا الحزب هو صاحب القرار الأول على مستوى الحكومة ومجلس النواب.

تتأتى القوة من خارج مؤسسات الدولة لأنّ الأخيرة هي الإطار الضعيف إذا ما قورنت بقوة الدويلة، القوة هنا إكراهية وليست ديمقراطية، أمنية وعسكرية، وليست نتاج توازنات سياسية ناشئة عن انتخابات ديمقراطية، أو بسبب توافقات سياسية طوعية، القوة هنا تفرضها سلطة الإكراه على الدولة ومؤسساتها من خارجهما وفي سياق لا يتصل بالنماذج المعهودة في الدول الطبيعية سواء كانت ديمقراطية أو دكتاتورية، ذلك أنّ من شروط استمرار هذا النموذج من السلطة في لبنان، هو ضرورة وجود تمثيل في الشكل لمختلف القوى الممثلة في البرلمان، لكنه تمثيل شكلي لا يتيح لصاحبه أن يكون شريكًا فعليًا في إدارة الشأن العام، بل تقتصر الشراكة هنا على ما هو دون القضايا السيادية الكبرى، سواء تلك المتعلقة بالأمن أو السياسة الخارجية أو بالحروب.

الشراكة هي فقط في الملفات ما دون السيادية أي تلك التي تتصل بتقاسم الحصص من وظائف عامة أو تقديم بعض الخدمات، أو الشراكة على مستوى الفساد، وهذا الأخير يشكل عنصر قوة وحماية لسلطة الدويلة على الدولة، ذلك أنّ الفساد هو مصدر طاقة ومبرر وجود لسلطة الدويلة.

من هنا فإنّ ثنائية الدولة-الدويلة لا يمكن أن تستمر وتتمدد خارج ترسيخ الفساد، ذلك أن أول شرط موضوعي وعلمي لمكافحة ظاهرة الفساد المتضخمة في أي دولة، هو وجود سلطة تمتلك حق الإكراه، وتتحمل المسؤولية أمام المواطنين ويمكن محاسبتها بناء على المسؤولية التي تتحملها.

في لبنان هذا الأمر شبه غائب إن لم نقل غائب تمامًا، فلا الحكومة اللبنانية كمؤسسة دستورية تتولى السلطة التنفيذية، قادرة على احتكار سلطة العنف، بل هي عاجزة عن القول إنها هي من يتحمل مسؤولية إدارة الشأن العسكري والأمني على أراضي الدولة.

هذا الواقع هو المدخل والذريعة للتنصل من المسؤوليات الملقاة على عاتقها كمؤسسة دستورية حاكمة، إذ يتيح هذا الواقع فتح ثغرات كبرى على مستوى السلطة، فغياب المسؤولية والمحاسبة، إلى جانب العجز المرعي بخبث، يطلقان وحش الفساد من قمقمه، ودائما بتشجيع وتحفيز وشراكة من سلطة الدويلة التي تريد القول للبنانيين إنّ دولتكم هذه غير مؤهلة للحكم.

ما يثير التساؤل والاستغراب أن يطلق “حزب الله” وعلى لسان أمينه العام حملة على الفساد في الدولة، حملة “بشر” بها خلال الانتخابات النيابية الأخيرة.

مصدر التساؤل والغرابة أنّ في تاريخ “حزب الله “في السلطة التنفيذية أو التشريعية، كان عقد التحالفات وإعداد التفاهمات مع قوى سياسية مختلفة في لبنان، يتمان على قاعدة “غضوا البصر عن سلاحي وافعلوا ما تشاؤون في بقية شؤون الدولة”، وما يؤكد هذا المسار هو أنّ “حزب الله” لم يخض معركة ضد الفساد، هو طالما تحدث ولا يزال عن ملفات فساد بالمليارات من الدولارات تورط بها مسؤولون في الدولة، لكن لم يقم مرة واحدة بمتابعة ملف لوّح به على هذا الصعيد حتى النهاية، بل طالما كانت هذه الملفات وسيلة ابتزاز لخصومه في سبيل استمرارهم في السكوت على مشروع الدويلة وسطوتها.

لا يعني هذا الكلام أنّ “حزب الله” غير متورط في ملفات فساد، بل القصد من الإشارة أنه استخدم هذا السلاح حينما أخذت الحكومة اللبنانية قرارًا بقطع أحد فروع شبكة اتصاله الخاص، فيما لم يقم بأي خطوة حينما كانت تمر أمامه إن لم يكن بإشرافه صفقات الفساد في الحكومة.

اللبنانيون ينتظرون المنهجية التي سيتبعها “حزب الله” في مكافحة الفساد الذي أرهق اللبنانيين على مستوى الاقتصاد وفي المالية العامة وفي الصفقات المشبوهة التي أرهقت الدولة، وزادت المديونية العامة، بل كيف سيتم وقف عمليات التهريب التي جعلت حدود لبنان مفتوحة لعمليات التهريب التي تتم تحت أعين “حزب الله” والأجهزة الأمنية التي سلمت بأنّها ليست صاحبة القرار الأول على أراضي الدولة اللبنانية أو في المعابر الحدودية غير الشرعية، وأكثر من ذلك فإنّ “حزب الله” نسج معظم تحالفاته في السلطة وفي الانتخابات النيابية مع أطراف وقوى يعرف اللبنانيون أن معظمها عليها شبهة فساد إن لم تكن غارقة في صفقات مشبوهة.

التمنيات اللبنانية بنجاح “حزب الله” في حملته ضد الفساد، مردها أن اليأس بات يسيطر على المجتمع من قدرة السلطة بتركيبتها القائمة، على الحدّ من تفشي الفساد، لكن التمنيات تبقى شيئا والواقع شيء آخر. الواقع يقول إنّ الإصلاح ومكافحة الفساد يقومان على قاعدة أساسية اسمها الدولة، دولة لا تقبل بوجود سلطة فوقها مهما كانت مبررات وجودها.

 

المصدر العرب

علي الامين

Loading...

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً