طائرات من دون طيار تحمل رسائل حرب مؤجلة في المنطقة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

فرضت الحرب السورية خسائر فادحة على “حزب الله” نتيجة انخراطه فيها مباشرة بتعليمات إيران التي يواليها عسكريا وسياسيا وعقائديا، وفقد الحزب معها أكثر من ألف مقاتل وانهارت شعبيته في لبنان بعد أن ثبت طابعه الطائفي الذي يخدم أهداف طهران في المنطقة، خاصة في ما يتعلق بتهديد أمن واستقرار الكثير من الدول العربية وتأسيس علاقات مع تنظيمات إرهابية ومسلحة تنشر الفوضى.

وبقدر ما كانت خسائر الحرب كبيرة بقدر ما سعى الحزب إلى الحصول على مكاسب عديدة منها، على صعيد اكتساب المزيد من الخبرة الميدانية في المواجهات مع القوى المناوئة للنظام السوري، وعلى مستوى تعظيم ترسانته العسكرية من الأسلحة الإيرانية، علاوة على محاولة تطوير قدراته في استخدام بعض الأسلحة الجديدة على غرار الطائرات من دون طيار.

وأشارت دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة جايمس تاون في بداية نوفمبر الجاري، إلى أن “الحزب أول فاعل من غير الدول يقوم باستخدام هذه النوعية من الأسلحة ضد دولة أخرى في عام 2004”، عندما أطلق طائرة “مرصاد- 1” وهي طائرة إيرانية لأغراض الاستطلاع العسكري، في الأجواء الإسرائيلية، وقامت باستطلاع مدينة نباريفا شمالي إسرائيل لمدة 20 دقيقة.

ومنذ ذلك الحين تزايدت المخاوف من إمكانية اتجاه التنظيمات المتطرفة والطائفية إلى الاعتماد على هذه النوعية من الطائرات في عملياتها الإرهابية، خاصة في ظل سماتها ومزاياها المتعددة التي يمكن أن تجذب الاهتمام، على غرار أسعارها المنخفضة وتطورها السريع وقدرتها على القيام بمهام متنوعة مثل الرصد والاستطلاع وتنفيذ هجمات تفجيرية وإلقاء القنابل.

وقام حزب الله باستخدام هذه الطائرات في عمليات الاستطلاع والهجوم. وحسب الدراسة، قام الحزب في 6 أكتوبر 2012 بإطلاق طائرة من دون طيار إيرانية الصنع من طراز “أيوب” من لبنان إلى داخل العمق الإسرائيلي، وتحديدا إلى مدينة ديمونة التي تضم منشأة تصنيع الأسلحة النووية.

ورغم أنه تم إسقاط الطائرة بواسطة مقاتلة إسرائيلية، إلا أنها قامت بإرسال صور لمنشأة الأسلحة النووية قبل ذلك، وكانت قد استطلعت المنشأة لعدة ساعات، وقامت إيران بنشر الصور بعد ذلك، مرفقة بدعاية عن إنجاز كبير حققته مع حزب الله بالوصول إلى المنشآت الأكثر أمنا في إسرائيل.

كما قام الحزب بإطلاق طائرة أخرى من دون طيار في 19 سبتمبر 2017، من مدرج للطائرات بالقرب من العاصمة السورية دمشق في أجواء المنطقة معزولة السلاح التي تفصل مرتفعات الجولان الخاضعة للسيطرة السورية عن تلك الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وتم اعتراضها بواسطة صاروخ باتريوت مصحوبا بمقاتلتين، وسقط حطامها داخل المنطقة منزوعة السلاح بالقرب من آثار مدينة القنيطرة السورية.

ملفات متشابكة

لا ينفصل الصراع المحموم الذي يجري بين إسرائيل وكل من إيران وحزب الله داخل لبنان وسوريا، لمنع طهران من الاقتراب من الحدود مع إسرائيل وعرقلة جهود الحزب لمضاعفة قدراته العسكرية.

وقصفت إسرائيل قوافل تابعة لإيران والنظام السوري والحزب أكثر من مئة مرة في الفترة من 2012 وحتى 2017، أي خلال الفترة التي بدأت فيها إيران في رفع مستوى انخراطها العسكري في الصراع السوري لإنقاذ نظام الأسد من خطر الانهيار، عبر تكليف حزب الله بالمشاركة في الحرب فضلا عن تكوين وتدريب ميليشيات طائفية لمساعدته في ذلك.

وكان من اللافت تعمد الحزب إطلاق طائرة من دون طيار في أجواء المنطقة منزوعة السلاح في الجولان، في 19 سبتمبر الماضي، لأنه جاء بعد نحو عشرة أيام من قيام إسرائيل بمهاجمة موقع مخصص للأسلحة الكيماوية في سوريا، بالتوازي مع الاتهامات التي وجهتها إسرائيل لإيران ببناء مواقع عسكرية تتضمن أسلحة دقيقة في كل من سوريا ولبنان.

كما أنه جاء بعد نحو أسبوعين فقط من إجراء إسرائيل أكبر مناورة عسكرية منذ عشرين عاما على الحدود الشمالية، تم فيها التركيز على محاكاة سيناريوهات خاصة باندلاع مواجهة عسكرية مع حزب الله.

رسائل لواشنطن

ترتبط الخطوات التصعيدية المتبادلة أيضا بدخول الولايات المتحدة الأميركية على خط التصعيد بين إسرائيل من جهة وكل من إيران وحزب الله من جهة أخرى، عقب الإعلان عن افتتاح أول قاعدة عسكرية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب في إسرائيل، وهو اليوم نفسه الذي قام فيه الحزب بإطلاق الطائرة الأخيرة.

هنا بدت الرسالة إيرانية بامتياز، مفادها أن طهران باتت قريبة من أهداف أميركية وإسرائيلية حيوية، ويمكن أن تكون في مرمى نيرانها إذا تطورت الخلافات مع الإدارة الأميركية الحالية إلى مواجهة مباشرة على الأرض، سواء بسبب الاتفاق النووي الذي يمكن أن ينهار في أي لحظة، أو بسبب الدور الإقليمي والاتهامات المتتالية لإيران بدعم الإرهاب، أو بسبب قيام واشنطن، في مرحلة لاحقة، بتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

وبدأ المسؤولون العسكريون في إيران بالفعل توجيه تهديدات مباشرة لواشنطن بعد ذلك، على غرار تصريحات قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري الذي قال في 8 أكتوبر 2017، إنه في “حالة تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، فإننا سنعتبر الجيش الأميركي في العالم كله وخاصة في الشرق الأوسط مثل داعش”، مضيفا أن “على واشنطن أن تنقل قواعدها في المنطقة خارج مدى الصواريخ الإيرانية الذي يبلغ 2000 كيلومتر”.

مصدر تهديد في المنطقة

الواضح أن استخدام حزب الله النمط الجديد من الأسلحة كان له دور بارز في تحوله إلى مصدر تهديد كبير لإسرائيل، وفقا للتقرير الاستراتيجي السنوي الذي صدر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، مع تراجع إيران إلى المركز الثاني بسبب الاتفاق النووي الذي فرض قيودا مؤقتة على أنشطتها النووية ووسع من نطاق الفترة الزمنية التي تحتاجها للوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج السلاح النووي. لكن هذا التقييم عرضة للتغيير والتطوير باستمرار، على ضوء عاملين؛ الأول: تصاعد حدة الخلاف حول الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن وتزايد احتمال انسحاب الأخيرة منه بشكل يعزز من اتجاه الأولى إلى السيناريو الأكثر خطورة بمحاولة تطوير الجانب العسكري لبرنامجها النووي.

والثاني: إصرار إيران على بناء قواعد عسكرية داخل سوريا، بالتوازي مع التطورات الميدانية التي تشهدها، إحداها تقع على بعد 50 كيلومترا من هضبة الجولان، وهو ما دفع إسرائيل ليس فقط إلى توجيه ضربات عسكرية متتالية ضد أهداف تابعة لإيران ونظام الأسد والحزب داخل سوريا، وإنما محاولة الوصول إلى تفاهمات أمنية مع الولايات المتحدة وروسيا لإبعاد إيران والميليشيات التابعة لها لمسافة لا تقل عن 40 كيلومترا، وهو ما لم يتحقق حتى الآن في ظل استمرار التباين في المواقف مع كل من موسكو وواشنطن في هذا الصدد.

مرحلة حرجة

وفقا لدراسة جايمس تاون، فإن ما يزيد من قلق إسرائيل هو القاعدة الجوية التي يقوم حزب الله بتشغيلها حاليا، والتي تقع في شمال لبنان وتتكون من مدرج غير معبد طوله 2200 قدم وعدة سقيفات وهوائي، ويسعى من خلالها إلى توسيع مجال مركز التحكم الأرضي للطائرات من دون طيار.

ويرجح بعض الخبراء أن يكون هذا المدرج مصمما في الأساس للطائرات الإيرانية من دون طيار مثل “أبابيل- 3” و“شهد- 129” التي تعد أكبر حجما، ويتسم المدرج بقصره نسبيا وبأنه غير معبد ومحاط بأرض جبلية وعرة، ما يجعل من المستحيل تقريبا على أي طائرة يقودها طيار الهبوط عليه.

ويعطي وجود هذا المهبط صورة عن القدرات الجوية التي تتطور لدى حزب الله وتعهده بتطويرها بسرعة، كما أن حقيقة وجود القاعدة الجوية على بعد عشرة أميال فقط من الحدود السورية تدل على أن حزب الله لديه نوايا قديمة لاستعمال الطائرات دون طيار لمحاولة التأثير على نتائج الحرب السورية، وبالفعل تتحول هذه الطائرات بشكل متزايد إلى سلاح أكثر مركزية ضمن التكتيكات والاستراتيجيات القتالية لدى حزب الله.

بالطبع، حسب دراسة جايمس تاون، فإن ذلك يطرح دلالة مهمة تتصل بالمدى الذي يمكن أن يصل إليه الحزب في هذا السياق، لأنه حاول استخدام هذه الطائرات في مواجهاته المسلحة مع بعض التنظيمات داخل سوريا، على غرار “جبهة النصرة”، التي قام بقصفها في 21 سبتمبر 2014، ما أسفر عن مقتل 20 من مقاتليها، وكانت هذه العملية دافعا لكل من إيران والحزب لتدشين مرحلة جديدة من تطوير “الدرونز”.

المثير للاهتمام أن حزب الله برهن عن تفضيله للطائرات دون طيار لأنها أرخص ومتوفرة من الناحية التجارية على الطائرات العسكرية التي يتسلمها من إيران ويجمعها بمساعدة إيرانية.

ونشر الحزب فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، في 9 أغسطس 2016، يصور مروحية رباعية “كوادكوبتر” صغيرة متوفرة تجاريا مجهزة بقنابل ذخائر فرعية من طراز “أم.زاد.دي” صينية الصنع تهاجم مواقع للتنظيمات المسلحة في شمال سوريا، وهو أول دليل رقمي على امتلاك الحزب القدرة على إصابة أهداف بالقنابل عن بعد، بينما كانت الهجمات السابقة بالطائرات دون طيار مهمات انتحارية.

وفي غضون عشر سنوات انتقل حزب الله من حالة عدم امتلاك أي طائرات دون طيار إلى حالة امتلاك مهبطه الخاص به وأسطولا من الطائرات دون طيار العسكرية والتجارية المحسنة.

والآن يمتلك خبرة في استعمال الطائرات دون طيار لأغراض متنوعة، من استطلاع إلى صناعة الدعاية والهجمات الانتحارية والقصف بالقنابل، واكتسب الكفاءة في تشغيل الطائرات دون طيار في أراض وبلدان مختلفة.

لكن الهدف الأهم الذي سعى الحزب إلى تحقيقه تمثل في تحويل هذه الأسلحة إلى رقم جديد في معادلة التوازن مع إسرائيل. وقال مقاتل من حزب الله “نحن بالتأكيد نتعلم الكثير عن طريق العمل مع الروس والإيرانيين في الحرب السورية وخصوصا عندما يتعلق الأمر بالطائرات من دون طيار”.

وباتت إسرائيل ترى أن سوريا لم تتحول إلى مستودع أسلحة لحزب الله فحسب، وإنما أيضا إلى ساحة تدريب يسعى من خلالها الحزب إلى تطوير قدراته العسكرية استعدادا لأي حرب مقبلة مع تل أبيب.

 

المصدر العرب اللندنية

Loading...

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً