في غياب أي معلومات خلال الساعات الـ48 الماضية عن نشاطات رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية، توقعت مصادر سياسية أن يعود الحريري قريبا إلى بيروت بجرعة دعم للسياسة التي اعتمدها في الأشهر القليلة الماضية. وتقوم هذه السياسة على استمرار التعاون والتنسيق القائمين مع رئيس الجمهورية ميشال عون و”التيار الوطني الحرّ” الذي يمثله، على الرغم من وجود ما يسمّى “وثيقة تفاهم” بين “التيّار” و”حزب الله”. ولم تستبعد المصادر ذاتها، على الرغم من التعتيم الإعلامي، أن يكون اللقاء الذي انعقد بين وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس الوزراء اللبناني طويلا وأن يكون التركيز فيه على مرحلة ما بعد الانتخابات اللبنانية والتوازنات الجديدة في لبنان والدور الذي ستلعبه الكتلة النيابية التي ستكون تابعة لرئيس الجمهورية. وسيترأس هذه الكتلة جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية الذي يشغل حاليا موقع وزير الخارجية. وأفاد سياسي لبناني رفض ذكر اسمه بأن التغيير في الموقف السعودي من عون والحريري يعكس رغبة في اعتماد سياسة أكثر واقعية في لبنان. وتأخذ هذه السياسة في الاعتبار أنّ الأحداث التي تشهدها المنطقة، والتي تبدو مقبلة عليها، تدعو إلى تفادي أي صدام مباشر مع حزب الله، أقلّه في المدى المنظور، نظرا إلى أن ذلك سيؤدي إلى ضرب الاستقرار النسبي الذي يتمتع به لبنان في الوقت الحاضر. وأبدت هذه المصادر ارتياحها للاستقبال الذي خصت به القيادة السعودية الحريري لدى وصوله إلى الرياض يوم الأربعاء الماضي تلبية لدعوة رسمية نقلها إليه الموفد السعودي نزار العلولا. فقد استقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز رئيس الوزراء بعيد وصوله إلى الرياض كما لو كان رئيس دولة وأحاطه بحفاوة تؤكد طي صفحة ما جرى في الزيارة التي قام بها سعد الحريري للمملكة في نوفمبر الماضي. وتخلل تلك الزيارة تقديم الحريري استقالته من موقعه الرسمي من دون تنسيق مع رئيس الجمهورية. وما لبث الحريري أن عاد عن تلك الاستقالة بعيد عودته إلى بيروت ولقاء عون. وذكرت المصادر نفسها أنّ الجانب الأهمّ من زيارة رئيس الحكومة للرياض هو اللقاء الذي عقده مع وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان الذي يبدو أنّه تفهّم الأسباب التي دعت الحريري إلى العودة عن استقالته في ظل الوضع اللبناني المعقّد إلى أبعد حدود. وأوضحت أن ما يدل على ذلك التفهّم الزيارة التي قام بها لبيروت الموفد السعودي الجديد نزار العلولا الذي خلف الوزير ثامر السبهان في تولّي الملف اللبناني. وذكرت أن زيارة العلولا للبنان اتسمت بكثير من الاستيعاب لموقف الحريري إذ بدأت بلقاء قصير ذي طابع بروتوكولي مع رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا تلاه كلام صدر عن الموفد السعودي يشيد بـ”حكمة” عون. ويعتبر هذا الكلام تطورا مهما يعكس تغييرا في الموقف السعودي من رئيس الجمهورية الذي كان موضع انتقادات شديدة بسبب دفاعه عن احتفاظ “حزب الله” بسلاحه. ولاحظت المصادر ذاتها أن العلولا لم يناقش مسألة الانتخابات النيابية المقرر أن تجرى في السادس من أيار المقبل مع أيّ من الشخصيات التي التقاها. لكنّ زيارته لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في مقر إقامته في معراب وتناول العشاء إلى مائدته أوحت بأن هناك تعاطفا سعوديا مع هذا الحزب ورغبة في أن يستمر التحالف القائم بينه وبين تيار المستقبل الذي يتزعّمه الحريري. وتؤكد أوساط سعودية مطلعة أن الرياض تعيد التموضع في كافة ملفات المنطقة وفق معطيات جديدة تتعلق بالموقف الدولي من إيران، وأنه جرت إعادة قراءة للعلاقات مع لبنان من زاوية المقاربة السعودية الشاملة لسياساتها الخارجية، لا سيما مع الدول العربية والإقليمية. ورأت هذه الأوساط أن الرياض أرادت من خلال زيارة موفدها الملكي إلى لبنان ودعوة الحريري لزيارتها، إعادة ترتيب العلاقة السعودية اللبنانية على أسس جديدة يختلف أسلوبها وآلياتها عما كان معمولا به من قبل. ونصحت مراجع سعودية المراقبين بعدم تلخيص العلاقة السعودية اللبنانية بطبيعة العلاقة مع الحريري بل من خلال تأمل الانفتاح السعودي على أكبر شريحة من التيارات السياسية في لبنان. ونقل عن أحد العارفين ببواطن الشأن السعودي أنه لفهم طبيعة السياسة السعودية الجديدة في لبنان ينبغي تأمل اللقاءات والاتصالات التي أجراها الموفد السعودي في لبنان وإعادة قراءة تصريحاته ومواقفه في بيروت. ويرى هذا المرجع السعودي أن الرياض لم تبدل من مواقفها حيال الملفات المقلقة في لبنان، وأن جل ما طرأ هو تبديل في المقاربة على النحو الذي يجعل من السعودية حاضرة في الداخل اللبناني تحت عنوان الدفاع عن مصالح السعودية وخياراتها في لبنان والمنطقة. ولفت مراقبون لبنانيون إلى أن الحريري يبحث ملفات عديدة مع القيادة السعودية، وأنه بالإضافة إلى القضايا التي تتعلق بالشؤون السياسية المتعلقة بلبنان وعلاقته بالسعودية والعالم، فإن رئيس الحكومة اللبنانية يبحث سبل تطوير علاقة تيار المستقبل الذي يتزعمه بالسعودية على قاعدة حاجة الحريري وتياره للاستناد على قاعدة إقليمية صلبة ومتينة للوقوف تجاه “حزب الله” الذي يستند على علاقته المتجذرة مع إيران. وكشفت مصادر في بيروت أن مداولات السعودية ترتبط أيضا بالشؤون المالية للحريري وسط حديث عن احتمالات إعادة تعويم نشاط شركاته داخل المملكة وجعلها جزءا من خطط السعودية التنموية التي يقودها ولي العهد.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قبل أربعة أيام من قفْل باب الترشيحات الى الانتخابات النيابية في لبنان، بقي المسْرح الانتخابي – السياسي على انتظارِه عودة رئيس الحكومة زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري من السعودية التي كان قَصَدَها يوم الأربعاء في زيارةٍ رسمية شكّلتْ منعطفاً ايجابياً في مسارِ علاقته بالمملكة التي اهتزّت إبان مرحلة استقالته الملتبسة، كما في الطريق الى معاودة تطبيع العلاقات بين بيروت والرياض التي مُنيت بانتكاسةٍ على خلفية المَلامح المتزايدة لانزلاق لبنان الى المحور الإيراني من خلال استخدام “حزب الله” التسوية السياسية وعنوان “الاستقرار خط أحمر” للإمعان في قضْم مَفاصل القرار وجرّ البلاد الى “حضن” طهران.

وفيما كان الترقُّب سائداً للقاء المنتظَر بين الحريري وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وسط أسئلةٍ عما إذا كان تَأخُّر انعقاده (كان مُتوقَّعاً الخميس) على صلةٍ بعملية إنضاج تفاهماتٍ ترتبط بالمرحلة المقبلة في لبنان وعلاقته بالمملكة وبالعلاقات بين رئيس الحكومة وبعض حلفائه “السابقين” وما يمكن ان تقوم به السعودية على صعيد دعْم “بلاد الأرز” عشية انطلاق مسار المؤتمرات الدولية الثلاث، فإن أوساطاً سياسية ترى أنّ توقيت “العودة” السعودية الى لبنان يعبّر في واقع الحال عن قرار تدعمه عواصم الثقل في العالم بعدم “تقديم” لبنان الى إيران عبر ترْكه من دون “ظهيرٍ” سعودي يبقى الأكثر قدرة على توفير عنصر التوازن الداخلي من خلال حلفاء المملكة وعلى رأسهم الحريري (كما رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع) الذي عاودت الرياض “مدّ اليد” له من ضمن مقاربةٍ بدت أقرب الى تفهُّم مسار “الواقعية” الذي يسْلكه وإن مع تَمسُّكها بوجوب ألا يعني ذلك تسليماً بمفاهيم تشكّل ضرباً للشرعية المؤسسات ولا استسلاماً لحزب الله.

وفي رأي هذه الأوساط ان لبنان مقبلٌ على مرحلةٍ من تكريس “ربْط النزاع” مع “حزب الله” داخلياً “على البارد” في ملاقاة الانتخابات النيابية التي يتم التعاطي معها خارجياً بوصْفها محطة مفصلية في سياق تعزيز “مقومات الصمود” بوجه الحزب وامتداده الإيراني من ضمن سياقٍ لا يمكن فصْله عن مجمل مسار المواجهة مع المشروع التوسّعي لطهران في المنطقة.

وبحسب الأوساط نفسها، فإنه في لحظة تبلور ملامح “الحرب الباردة” المستعادة بين الولايات المتحدة وروسيا على “رقعة شطرنج” الأزمات “المتشابكة” من اوروبا الشرقية وشرق آسيا الى الشرق الأوسط، وفي غمرة ما تشهده سورية من “سباق القواعد العسكرية” بين موسكو وواشنطن و”صراع القواعد” بين إيران – “حزب الله” وبين اسرائيل التي تواصل استخدام “لغة الحرب” التي يشكّل لبنان “هدفاً” رئيسياً فيها، فإن من مصلحة الأخير استعادة المظلّة السعودية واستطراداً الخليجية – العربية، مع الدولية، على قاعدة تثبيت “خطوط الدفاع” داخلياً بانتظار تبلْور ملامح “العواصف” المحيطة به وبما يقطع الطريق على إدخاله في لعبة مقايضاتٍ قد يفرضها مسار الحلول لأزمات المنطقة متى دقّت ساعتها، كما على ضمّه الى “ملاعب النار”.

وما يعزّز هذه القراءة ان المجتمع الدولي ولا سيما فرنسا والولايات المتحدة اللتين يتردّد انهما لم تكونا بعيدتيْن ومعهما الإمارات العربية المتحدة عن رسْم “خريطة الطريق” المتدرّجة لطيّ صفحة أزمة استقالة الحريري ومعاودة وصْل ما انقطع بينه وبين الرياض كما وضع علاقة بيروت بالمملكة على سكة التطبيع، مصرّ على رفْد لبنان بمقوّمات الدعم من خلال المؤتمرات الثلاث في روما وباريس وبروكسيل التي يسود تَرقُّب لما ستحمله ولا سيما بعدما برزتْ إشارات الى ان السعودية ستساهم فيها بما يلزم، الأمر الذي سيعكس استمرار “الحاضنة” الخارجية للوضع اللبناني.

وكانت باريس نقلتْ الى بيروت عبر سفيرها برونو فوشيه خلال زيارته رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان مؤتمر سيدر 1 سيُعقد في 6 أبريل في العاصمة الفرنسية، كما أبلغت اليه قراراً مفاجئاً بإرجاء زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون التي كان ينوي القيام بها للبنان والعراق في النصف الاول من ابريل وذلك نظراً الى تضارب الاجندات، مع تأكيده ان الزيارة تبقى قائمة وسيحدد موعدها الجديد لاحقاً.

وفي غمرة المحاولات الداخلية لتكييف الواقع المالي اللبناني مع مقتضيات المؤتمرات الدولية، وهو ما يصطدم بمناخ الانتخابات الذي يجعل أي إجراء إصلاحي يُقاس بـ “كلفته الشعبية”، كان لافتاً أمس ما نقله زوار القصر الجمهوري عن الرئيس عون من اطمئنانه الى الوضع العام في البلاد، وتأكيده رغم المخاوف التي يتم تداولها منذ ايام أن لا مؤشرات تصعيد اسرائيلية في الافق على ما يحلو للبعض تصويره.

ولفت رئيس الجمهورية على ما نقلت “وكالة الأنباء المركزية” عن زواره الى “أن المشكلات التي اثارتها تل ابيب في الاسبوعين الماضيين في ملفي الحدود البرية والبحرية وحق لبنان في أرضه وثروته تراجعت وحتى هدأت، علماً انه يجب عدم الركون الى ما تضمره اسرائيل من شرور واطماع، ومن الضروري التزام الحذر الدائم”، مؤكداً “ان الأميركيين طمأنونا الى أن لا تصعيد من قبل اسرائيل على رغم ما يشاع في الاعلام ومواقف المسؤولين الاسرائيليين. كما أن التقارير التي تلقاها لبنان من الامم المتحدة تنفي المعلومات عن امكان اقدام اسرائيل على شن حرب على لبنان وسورية لخربطة(الستاتيكو)القائم أو لتحقيق أطماع وأهداف غير معروفة ومعلنة”.

ويختم الزوار بقول عون “إن الحذر واجب لكن الخوف ممنوع، ليس من اسرائيل وحسب وانما على كافة الصعد والمستويات”.

 

المصدر الراي الكويتية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً