استمع لاذاعتنا

مخطط جهنمي لضرب الجيش بالمدن السنّية وتدمير الانتفاضة الشعبية

ليس قليلاً ولا سهلاً ما حققته انتفاضة اللبنانيين على مدى 13 يوماً. وهي 13 يوماً من تشرين الأول، بعد الثالث عشر منه، التاريخ الذي يعني الكثير لرئيس الجمهورية ميشال عون.

نشوة باسيل وفجيعته
ففي هذا التاريخ من العام 1990 غادر عون قصر بعبدا، بعد اتفاق إقليمي أخرجه عنوة من القصر، وألجأه إلى السفارة الفرنسية القريبة من بعبدا. وفي 13 تشرين الأول الجاري، أي قبل ثلاثة أيام من بدء انتفاضة اللبنانيين، وقف رئيس التيار العوني، جبران باسيل، خطيباً مسعوراً منتشياً معلناً استعداده لقلب الطاولة على الجميع، إذا طلب منه عمه الرئيس ذلك. لكن لبنانيي انتفاضة 17 تشرين إياه، فاجأوا طفل الرئيس المدلل، قلبوا الطاولة في وجهه، وعلى تسوية هو طرفها الأقوى، وأعيت من يداوي الحريري منها. أصابت الانتفاضة المفاجئة مكونات التسوية وأركان السلطة بالارتباك، وصولاً إلى استقالة الحريري التي لم يصدقها رئيس الجمهورية، وأزعجت حليفه حزب الله. وهذا كله إنجاز كبير لشعب الانتفاضة، ولخروجه على أطر الولاء للزعامات وأجهزتها ونظامها. وهذا ما يشكل فجيعة كبرى لجبران باسيل.

المخطط الأسود
لكن الرد، على الانتفاضة يبدو أنه لم يتوقف على مشهد غزو الشبيحة لساحات بيروت. فمحاولات اختراق الانتفاضة وتطييفها تستمر. ما أراد فعله حزب الله والتيار العوني بعد فشل تصوير الصراع وكأنه بين السنة الحريريين والمسيحيين القواتيين، وبعد فشل محاولتهم في البداوي قبل أيام بجعل المواجهة بين السنّة والجيش، للعودة إلى المشهد القديم في طرابلس والشمال واختراع فزاعة الارهاب. بدأ التحضير للمخطط بعد بيان المطارنة الموارنة للالتفاف حول رئيس الجمهورية، وفتح الطرقات في بيروت ومختلف المناطق. فجرى تصوير المعركة وكأنها ضد السنة ورئاسة الحكومة. في هذا الوقت كانت مجموعات للحريري تجوب في شوارع بيروت مؤيدة له، ومجموعات أخرى تلتحق بالمتظاهرين في صيدا وطرابلس لأخذ القضية إلى مكان آخر هدفه الاستثمار السياسي.

وهنا، كان الماكرون يتحضرون لإيقاع الشرخ بين المدن السنّية الكبرى وبقية اللبنانيين، عبر تصوير السنّة بأنهم مستهدفون، ومعزولون في تحركاتهم من صيدا إلى طرابلس الى عكار. وبعد عملية العزل يصبح من السهل الانقضاض على هذه المدن بسيناريوهات أمنية، لإنهاء التحركات كلياً. فصيدا تستنهض الذاكرة لأحداث عبرا مع أحمد الأسير، وطرابلس تهمة الارهاب ترافقها دوماً، وعكار ليست بعيدة.
كل ما جرى من إشكالات في طرابلس وصيدا وعكار، هو عملية مدبرة لأخذ الحراك إلى معركة بين السنّة والجيش، تثار بنتيجتها غرائز الشيعة والمسيحيين، فينتهي الحراك، ويعود الساسة إلى قواعدهم التحاصصية سالمين.

انهيار التسوية
لكن ماذا جرى قبل ذلك، ومهد للسيناريو المخيف الذي يتحضر أصحابه لتنفيذه، ابتداء مما شاهدناه ليل الأربعاء؟
عرّت استقالة الحريري منطق التسوية وما يتحكم بمفاصلها. وهي استقالة جاءت بفعل ضغط الشارع، الذي خرج من قمقم الولاء لزعماء الطوائف – أقله مرحلياً – بمطالب موحدة. العجز السياسي لأركان الحكم دفعهم إلى تحويل المعركة في اتجاه آخر: تطييف الانتفاضة. وهو اتجاه يستقطب مؤسسات دينية وقوى سياسية – طائفية راسخة في “التركيبة اللبنانية العميقة”. والعودة إلى ما حصل إبان اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعدم سماح الصرح البطريركي بإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود، مثال على ذلك. أما بعيد استقالة الحريري الابن، فبدأ اللعب على وتر استنهاض الهمم الطائفية والمذهبية. وذلك بالإيحاء أن من سقط هو الرئيس السني، فيما خرجت بكركي ببيان تدعو فيه اللبنانيين إلى فتح الطرق، والالتفاف حول رئيس الجمهورية. وهذا منطق لن يرتدّ إلا سلباً على أصحابه، وإن ليس في وقت سريع.

الحريري يرمم زعامته
لعبة الطوائف وفتح الطرق، أظهرا أن المعركة كانت مع الحريري حصراً، ومن شأنها أن تعود على رئيس تيار المستقبل بمردود سياسي وشعبي. ولعل شطراً واسعاً من جمهوره الذي خسره، سيلتف حوله مجدداً. فخطوة الحريري أظهرت أنه رمى استقالة الحكومة في وجه الرئيس وباسيل ومضى. وهذا يرضي جمهوره المحبط ويرفع معنوياته، ويمكنه من استعادة شعبيته. ثم إن استقالة الحريري أظهرته بمظهر المستجيب الوحيد لمطالب الشارع، والمتخلي الوحيد عن المنصب، من دون أن يلجأ للاحتماء بالمؤسسة الدينية أو الطائفة، على خلاف ما فعل رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي. وقد يكون خروج الحريري من منصبه، أيضاً لأنه الأضعف في المعادلة التي تكرّست في التسوية الرئاسية.

لكن على الحريري أن يجيد التقاط فرصته ا