برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الكهرباء: بين فساد الخطط والنكد السياسي

"نداء الوطن"
A A A
طباعة المقال

المواطنون منشغلون بكيفية تأمين بصيص نور بأقل كلفة ممكنة وسط ما تزرعه السياسات العامة من ظلمات، والوزراء مستمرّون بتقاذف المسؤوليات. تصريح إعلاميّ «إستخفافي» للوزيرة السابقة للطاقة ندى البستاني تسأل فيه متعجّبة عن مصير الوعد برفع ساعات التغذية بالكهرباء. يعقبه ردّ من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يفضح في سياق إظهار وصايتها المستمرّة على القطاع، اللامبالاة بكيفية إدارة أمور المواطنين الحياتية، وعدم احترام أبسط أصول العمل في المؤسسات. ومن بعدهما بيان من الوزير الأصيل وليد فياض المنفوخ بإنجازاته، غير المعروفة إلا من قبله، يظهر فيه حجم الخسائر التي تتكبّدها الخزينة من عدم فتح الاعتمادات لبواخر الفيول. مهاترات إعلامية ممجوجة تتلبّس المثل الشعبي المشهور «إن كانت هالغزلة غزلتك حرير رح نلبس»، وفي حالتنا: «كهربا رح نشوف».

ما يعنينا من التراشق المتكرّر بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والفريق المؤيد له من جهة، وبين وزراء التيار الوطني الحر الممسكين بمفاصل الطاقة منذ 15 عاماً، أمران أساسيان، لا علاقة لهما بفضائح الفساد، وهما:

– إستحالة التوصل إلى حلّ مستدام يؤمّن الكهرباء، طالما أن الفريق الممسك بوزارة الطاقة يستمرّ في استغلالها لمآربه الضيّقة، وحرفها عن الهدف الأساسي.

– ضرورة مساءلة ومحاسبة كلّ المعنيين بالملف عن المرحلة الماضية التي كلّفت الإقتصاد نحو نصف الدين العام، ليس بهدف الإقتصاص فقط، إنما للتوقف عن تكرار الأخطاء نفسها.

العقدة السياسية

السجال القديم الجديد بين المعنيين في ملف الطاقة، «لم يعد في هذه المرحلة بالتحديد سجالاً تقنياً بل سياسياً بحتاً»، يقول الباحث في مجال الطاقة في «معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت»، مارك أيوب. فمن بعد الركون إلى تمرير زيادة التعرفة على «جناح» الوعود برفع ساعات التغذية إلى 10 ساعات يومياً، عادت ودخلت الكهرباء في الخلاف السياسي من باب ضرورة عقد جلسة مجلس وزراء في ظل الشغور الرئاسي». فالإلتزام بوعد تأمين الفيول للكهرباء أصبح يتطلب عقد جلسة حكومية للموافقة على فتح سلفة خزينة. مع العلم أنّ ما طرح سابقاً لجهة تمويل صفقة الفيول للمعامل لم يوضع في إطار سلفة خزينة، إنما ضمانة من مصرف لبنان يتعهّد بموجبها دفع ثمن الفيول في حال لم تستطع مؤسسة كهرباء لبنان تسديد المبلغ بعد فترة سماح تمتدّ إلى 6 أشهر. والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف ولماذا توفّرت سلفة الخزينة في هذا الوقت بالذات ولم تتوفر سابقاً خلال العامين الماضيين؟

ربط الجواب عن هذا السؤال برفع تعرفة الكهرباء وإمكانية إرجاع السلفة، يفتح المجال أمام السؤال الأهم: ماذا نفّذ من خطة الكهرباء، القديمة الجديدة أيضاً، غير «إبلاع» المشتركين «طعم» رفع زيادة الأسعار. فأين هي الإصلاحات في قطاع الطاقة التي تضمن القضاء على الهدرين التقني وغير التقني اللذين يتجاوزان 50 في المئة، والمرشحين للزيادة أكثر مع دخول التعرفة الجديدة حيّز التطبيق. أين هي خطط الإستثمار والصيانة وتقليل أكلاف تشغيل المعامل والجباية عبر المتعهّدين وشركات مقدمي الخدمات… لا جواب عن أي من هذه الأسئلة البديهية، «كما لا يوجد أفق في الوزارة يظهر إمكانية الإستغناء عن سلفات الخزينة بعد 6 أشهر وتأمين الاستدامة في شراء الفيول من خلال التعرفة التي جرى رفعها»، برأي أيوب. «كما لا يوجد خطة واضحة لتخفيف الهدر على الشبكة وإزالة التعديات».

اللعب في الوقت الضائع

ما يجري على صعيد الكهرباء لا يتخطّى حدود لعب الأفرقاء المعنيين، في الوقت الضائع، وانتظارهم حلّاً ما، لا تزال لغاية الآن طبيعته مجهولة. فالمركزي الذي كان وعد بتأمين ما بين 500 و600 مليون دولار لشراء الفيول حاجة معامل الكهرباء لمدة 6 أشهر تكفي لإنتاج ما بين 8 و10 ساعات يومياً نكث بوعده، وذلك بغضّ النظر عن صوابية قراره من عدمه. من بعدها عاد المركزي وخفّض المبلغ إلى 300 مليون دولار، على أساس إعطائه دفعة واحدة من أجل تأمين حاجات الكهرباء على فترة 6 أشهر. ومن بعد إتمام مناقصة شراء الفيول الأولى لتأمين نحو 140 ألف طن من الفيول بقيمة تصل إلى حوالى 120 مليون دولار، تبيّن أن الحاكم قرّر على ما يبدو تخفيض الإعتماد المزمع فتحه إلى 62 مليون دولار، يخصّص لدفع ثمن شحنتين فقط. المبلغ المرصود لشراء الفيول وتأمين صيانة المعامل وشراء قطع الغيار الأساسية، أعجز عن تأمين الكهرباء لمدة ساعتين. وهو يؤشر بالإستناد إلى التجارب السابقة والعقد المستجدة حالياً إلى تكرار التأخر بفتح الاعتمادات لبواخر الفيول، أو حتى عدم فتحها كلياً في المستقبل. وبالتالي تكبيد الخزينة مئات آلاف الدولارات بدل غرامات، هذا فضلاً عن العجز عن توفير الكهرباء. وبالفعل منذ رسو مناقصة شراء الفيول أويل غرايد A وb والغاز على أويل على كل من «ببي إنرجي»، و»كورال»، و»فيتول»، وصلت البواخر ولم تتمكن من تفريغ حمولتها. وعليه تتكبّد الخزينة يومياً جزوات بقيمة 20 ألف دولار. وقد وصل مبلغ غرامات التأخير لغاية الساعة إلى نحو 340 ألف دولار. فمن يستفيد من تراكم هذه الغرامات، وهل عدنا إلى اللعبة القديمة نفسها في مافيات استجرار الفيول للكهرباء؟

الضياع القانوني

من غير المعروف ماهي الصيغة القانونية التي اعتمدت عليها وزارة الطاقة بالاتفاق مع مصرف لبنان لتأمين ثمن الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان، ومن هي الجهة التي تغير بتعهداتها، لا سيما أن تسريبات سابقة تحدثت عن اتفاق بين رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري عن صيغة ما من دون الحاجة الى مرسوم. إنما الأكيد أن الإشتراط المستجد عبر وزير المال بدفع المبلغ بمرسوم حكومي هو تشاطر للضغط على التيار الوطني الحر للقبول بعقد جلسة لمجلس الوزراء، استفاد منه الرئيس ميقاتي في سجاله مع العونيين. ولكن في جميع الحالات إن كان المبلغ 62 مليون دولار سيتم دفعه للبواخر، بمرسوم أو من دون مرسوم، وليس فقط حجزه من أجل الضمانة، فـ»هل سيحسم من حساب الخزينة أو من حساب حقوق السحب الخاصة SDR أو من أموال التوظيفات الإلزامية؟»، يسأل مدير عام الإستثمار في وزارة الطاقة سابقاً، د. غسان بيضون. ليجيب أن «المشكلة اليوم عالقة عند الطريقة التي سيدفع فيها للبواخر ثمن الفيول. فعبارة فتح الاعتماد لبواخر الطاقة ملتبسة. إذ إن هناك الاعتماد الذي يفتح في إطار موازنة الدولة، وهناك الاعتماد المستندي المصرفي LC. والإثنان مختلفان. ومصرف لبنان في المقابل غير ملزم بفتح اعتماد لمؤسسة كهرباء لبنان لتسديد ثمن المحروقات، فهو سيقرض المؤسسة ثمن الفيول بضمانة إعادة المبلغ. إلا أن الغريب أن مؤسسة كهرباء لبنان تطالب مصرف لبنان بكتاب التزام أنه يسدّد عنها الأموال في حال عجزت عن الإيفاء. وبرأي بيضون فإن «من يتحمّل مسؤولية الخطأ الحاصل هي الجهة التي استقدمت البواخر من دون أن تكون قد ضمنت بعد تسديد الأموال لها».

إلغاء الصفقة

من جهته، اعتبر وزير الطاقة وليد فياض في حديث إعلامي أن «الرئيس ميقاتي أصدر القرار بموافقة استثنائية على طلب لوزارة الطاقة بالحصول على سلفة خزينة حتى تتمكن من إدخال الفيول لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان على أن يصدر المرسوم بذلك في ما بعد»، مشيراً إلى أن «وزارة المالية لم تتوجه إلى مصرف لبنان لصرف السلفة». فوزارة المالية برأيه قادرة على فتح خطاب الاعتماد «لكنها لم تعد تريد بعدما وافق عليها الرئيس ميقاتي، وقد تعقدت الأمور إلى درجة تهدد بإلغاء الصفقة.

إن قدّر للسلفة الجديدة بقيمة 62 مليون دولار أن تبصر النور فهي ستضاف مع ما سيتبعها إلى سلفات بقيمة تتراوح بين 29.5 و30 مليون دولار، وهو «الأمر الذي سيودي بقطاع الطاقة إلى الإنهيار التام»، برأي أيوب.

المشكلة أعمق من سلف

يقول مارك أيوب: «الشبكة مهترئة، ولا صيانة، ولا قطع غيار، وحتى إن تأمّن الفيول فإن الكهرباء لن تتأمن كما يعِدون بسبب تراكم المشاكل في القطاع وستكون بالتالي عاجزة عن تأمين كلفة الفيول رغم رفع التعرفة»… والأخطر برأي أيوب أن «هذه الفوضى بدأت تزرع بذار احتكار من نوع جديد في مجال الطاقة البديلة شبيه باحتكارالم ولّدات الخاصة. وإن لم يتوضح الأفق السياسي المترافق مع الإصلاحات البنيوية فإن الكهرباء سائرة إلى الهلاك المحتوم». وسيترك المواطن فريسة تعرفة هي الأغلى بالعالم تتوزع بين كهرباء الدولة، والاشتراك، ومصادر الطاقة البديلة.