الجمعة 15 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 9 ديسمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ترسيم الحدود البحريّة... معاهدة أو اتفاق أو تفاهم؟

طوني كرم - نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

بين التهويل والتهليل، يخطو لبنان إلى الموافقة بعد إسرائيل على اتفاق «يؤسس لحلّ دائم ومنصف للنزاع البحري القائم بين جمهورية لبنان ودولة إسرائيل»، وفق ما ورد في النصّ المتداول لاتفاق ترسيم الحدود البحرية بين الطرفين، مسقطاً حقه في تقديم أيّ من الخرائط والإحداثيات التي تتعارض مستقبلاً مع مضمون هذا الإتفاق، منها الخط 29، مسلماً بدور الولايات المتحدة الضامن والراعي لأي خلاف في المستقبل.

ووسط تقاطع مواقف «حزب الله» الذي رأى في الإتفاق «إنجازاً كبيراً صنعه لبنان بفضل المقاومة» مع بيان الرئيس الأميركي جو بايدن الذي دعا إلى أن «تكون الطاقة أداة للتعاون والاستقرار عوض أن تكون سبباً للصراع»، وتأكيده أن «الإتفاق يؤدي إلى حماية المصالح الأمنيّة والإقتصادية لإسرائيل ذات الأهمية الحاسمة لتعزيز تكاملها الإقتصادي»، برز ترويج لجهات سياسيّة لبنانية على أنّ دخول نادي الدول النفطية كفيل بانتشال لبنان من الإنهيار الإقتصادي والمالي المتمادي، في حين رأى البعض الآخر في «الإستقرار» الذي يكفله الإتفاق والذي يعدّ تمهيداً تقنياً لسلامٍ مفترض مع إسرائيل بعد «الإعتراف الضمني» بها، يفتح الباب أمام فك الحصار المالي وسطوة العقوبات المفروضة على لبنان، جرّاء انتفاء الحاجة إلى دور «حزب الله» وسلاحه، ما وضع المسؤولين أمام تحدٍ في اجتراح «التخريجة» القانونية لهذا الإتفاق، بعيداً عن اتباع الأطر الرسميّة التي تحصر المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها وفق المادة 52 من الدستور في رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، والتي تصبح مبرمة بعد موافقة مجلس الوزراء، قبل أن تتطلب المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، موافقة مجلس النواب أيضاً.

وما بين الإتفاق والتفاهم والمعاهدة والتلاعب في المصطلحات التي تنطبق عليها حالة ترسيم الحدود لتجنّب الكثير من التبعات، يوضح عميد كليّة الحقوق والعلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانية الدكتور كميل حبيب لـ»نداء الوطن»، بوجوب التمييز بين المصطلحات التي وإن بدت متقاربة إلّا انّ مفاعيلها تختلف على الساحة الدوليّة، وفي إطار القانون الدولي، مشيراً إلى أن المعاهدة تعدّ إتفاقاً رسمياً مبرماً يلزِم الأطراف الموقعة عليه، في حين تبقى الإتفاقيّة غير ملزمة قانوناً، وتميل أكثر إلى أن تكون بمثابة إطار أو خارطة طريق لا تنطوي على تدابير محددة، متوقفاً عند أبعاد التمييز بين إتفاقيّة كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصريّة – الإسرائيليّة، لافتاً إلى تحوّل القواعد القانونية الملزمة المرتبطة بالمعاهدات في كثير من الأحيان إلى جزء من قواعد القانون الدولي.

وعن التحديات السياسيّة التي تترتب على «تفاهم أو اتفاق» الترسيم، اعتبر حبيب أنّ المعاهدة الدوليّة تبقى قائمة على الرغم من تغيير الحكومات في الدولة التي هي جزء من المعاهدة، وهذا ما لا ينطبق على التفاهم او الإتفاق، لافتاً إلى أنه لو تمّ اعتبار الإتفاق النووي بين إيران ودول 5+1 عام 2015 بمثابة معاهدة دوليّة لما كان باستطاعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإنسحاب منه في العام 2018.

مفاعيل المعاهدات الدولية
وعن دور السلطات المحليّة في المواكبة والتصديق على «المشروع»، أوضح أنّ الإنضمام إلى المعاهدات الدوليّة بصورة نهائيّة يتطلب مصادقة السلطة التشريعيّة والتي من الممكن أن تصبح جزءاً من القانون الداخلي للدولة، مشيراً إلى أن توقيع رئيس الدولة أو من يمثّله في بعض الأحيان غير كافٍ لتصبح المعاهدة نافذة إلا بعد مصادقة السلطة التشريعيّة عليها أيضاً. (وهذا ما حصل بالفعل مع الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، حين رفض الكونغرس الأميركي المصادقة على معاهدة SALT II التي وقعها كارتر مع الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف).

وعن الإطار القانوني الذي حدده الدستور اللبناني في المادة 52 منه والمرتبطة بالجهة المخولة إجراء المفاوضات وعقد المعاهدات الدولية، أوضح أن اللجوء إلى طابع السريّة الذي أتاحه النصّ الدستوري، قبل أن تُطلع الحكومة مجلس النواب على المعاهدة حين تمكنّها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة، سمح بتجنّب الرقابة البرلمانية المسبقة على عمل الحكومة، مشيراً إلى سابقة مشابهة شهدها لبنان في ما يعرف باتفاق القاهرة الذي وقّع في العام 1969 مع منظمة التحرير الفلسطينيّة، مشدداً على أنّ ما اتفق عليه بشأن ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان و»العدو الإسرائيلي»، هو أبعد ما يكون عن إعتباره إتفاقاً أو معاهدة دولية، ما يفقده العناصر التي توجب عرضه على المجلس النيابي.

وأوضح حبيب أن المفاوضات غير المباشرة التي رعتها حكومة الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل إرتكزت على «طريقة التبادل» بين حقليّ قانا وكاريش، مشيراً إلى أن ما قام به الوسيط الأميركي اموس هوكشتاين، هو نوع من الوساطة، حيث تحولت المساعي الحميدة إلى وساطة تجاوزت من خلالها واشنطن إبداء النصح والمشورة، وأسهمت بإرضاء الطرفين عبر إبداء الرأي في مطالبهما، وتقديم الإقتراحات المسهّلة لإبرام التفاهم التقني. مضيفاً: «هذا تفاهم تقني لا أكثر ولا أقل».

ومع إعتبار حبيب أن هذا التفاهم محكوم بتبادل الرسائل من دون التوقيع على نصّ مشترك، لفت إلى عدم إمكانية إعتباره «إتفاق إطار»، كما لا يمكن إدراجه في خانة المعاهدات، مشدّداً على أن تنفيذه يبقى خاضعاً لمصداقيّة الأطراف المتفقة بشأنه، كما للجهة الضامنة المتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية، لافتاً إلى وجوب إبقاء أهمية هذا التفاهم محصورة في تثبيت لبنان دولة نفطية، خلافاً لما يتم طرحه من قبل المسؤولين الإسرائيليين، عبر الإشارة إلى أن الإتفاق مع لبنان هو إتفاق تاريخي، وما هو إلا مقدمة لإجراءات مستقبليّة، تؤدي إلى ابرام معاهدة سلام بين الدولتين.

وعن دور الأمم المتحدة، أوضح أنها وعبر التاريخ لا تلعب دوراً محورياً في ترسيم الحدود التي تعود إلى الدول المعنية نفسها، في حين يكتسب الإتفاق الذي يتم إيداعه لدى الأمم المتحدة المزيد من المصداقيّة، مؤكداً أنه وعلى الرغم من تبليغ الأمم المتحدة بما توصل إليه الطرفان من تحديدٍ او ترسيم للحدود، فلا يمكنها أن تكون مرجعيّة لحلّ أي خلاف في المستقبل بين لبنان وإسرائيل، لحصر هذا الأمر عن طريق المناقشات التي تقوم الولايات المتحدة الوسيط والراعي لهذا الإتفاق «التفاهم» بتيسيرها.

غموض وسريّة
أما عن الغموض الذي يرافق الإعلان النهائي عن مضمون التفاهم أو الإتفاق، فتوقف حبيب بحذر عند الخفايا الكثيرة المرتبطة في تفاصيل التفاهمات بين الدول، ومنها التلاعب في صياغة النصوص المترجمة، والتي رافقت على سبيل المثال، صدور القرار الدولي 242 في العام 1967، والإشكاليّة التي نتجت عن الترجمة، وما إذا كان المقصود من النص الأساسي في اللغة الإنكليزيّة «إنسحاب إسرائيل من أراضٍ عربيّة أو من الأراضي العربيّة»، وغيرها الكثير من الأمثلة، التي قد تتضمن تبايناً ما بين النصوص المترجمة، والتي لن تكون بعيدة عن مشروع ترسيم الحدود البحرية اليوم، مشيراً إلى ان عدم نشر التفاهم حتى الآن، يشكل «بيئة تأويلية» في نصوصه، تزيده غموضاً وتتسبب في مشاكل لاحقة، تستدعي تدخل الجانب الأميركي لتفسيرها، لافتاً إلى أن الضمانات والتأكيدات في الغالب لا تكون ثابتة في النصوص، لينهي كلامه بالقول: «هذا التفاهم وضعه دقيق جداً وقد لا يفتح آفاقاً مستقبليّة كثيرة».