الخميس 7 ذو الحجة 1445 ﻫ - 13 يونيو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

سلطة "الشاهد ما شافش حاجة"

الأنباء
A A A
طباعة المقال

من أكثر الخسائر فداحةً في تاريخ العنف في لبنان تلك التي ولّدها انفجار مرفأ بيروت… سقوط مئات الشهداء والجرحى وتدمير أحياء بكاملها ومئات المنازل والمستشفيات والمؤسسات.

لكن «بيروتشيما» يكاد يكون الأول من نوعه في لبنان الذي أصاب بشظاياه الطبقة السياسية والمؤسسات الأمنية إصاباتٍ مباشرة، وهي الإصابات الوحيدة التي لم يتحسّر عليها اللبنانيون.

بعد عام من أكبر انفجار عرفه العالم بعد هيروشيما وناغازاكي، ظهرت الشظايا في أجسام القوى السياسية، التي ما زالت تكابر في الدفاع عن نفسها ووجودها.

للوهلة الأولى توحي هذه الطبقة بأنها لم تتأثر، بدليل أنها لم تتزحزح من مكانها، وتحاول معاودة إنتاج قبضتها. لكن في الحقيقة أن كل شيء تَغَيَّرَ منذ 4 آب 2020.

ولو لم تأتِ جائحةُ «كورونا» التي استغلّتها السلطةُ لتُمْعِنَ في إجراءات القمع والإقفال العشوائي من دون أي بنى طبية تحتية وتأخيرٍ في إطلاق عملية التلقيح، لَكانت المفاعيل السياسية للانفجار وقبْله انتفاضة 17 تشرين 2019 أكثر ظهوراً وحدّة ودويّاً.

أكمل الانفجارُ، في ملابساته وتداعياته، ما بدأتْه ثورة 17 أكتوبر، من انكسارِ «هيبة» القوى السياسية التي تُعانِدُ من دون أي خجل. شعار «كلن يعني كلن»، جعل الجميع سواسية حتى في الاتهامات التي أُطلقت إثر انفجار المرفأ.

لم يَعُدْ أي طرف خارج إطار الاتهامات خصوصاً بعد انكشاف الآثار الانسانية والتدميرية التي خلفها «زلزال» الرابع من أغسطس. فمن أصاب الانفجار سياسياً؟ وما تداعياته بعد عام؟

حاولت السلطةُ السياسية استثمارَ الانفجار والاستفادة من مسارعة الدول الغربية والعربية إلى المساعدة الإنسانية. تحوّل القصر الرئاسي في بعبدا والسرايا الحكومية «خلية نحل» في استقبال الموفدين السياسيين، وخُيّل للسلطة أنها أعادت تعويم نفسها.

حاول رئيس الجمهورية ميشال عون تحويل المأساة «فرصةً» لفك العزلة عن العهد، فأعاد فتْح أبواب القصر المغلقة أمام حركة موفدين دوليين ولقاءات سياسية على مستوى دولٍ حصرت اهتمامها بالشق الإنساني، في حين أن السلطة في لبنان استخدمت العامل الإنساني لتطرح نفسها مجدداً في مقدمة الحَدَث السياسي.

وجاءت مبادرةُ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتساهم أكثر في إعطاء مزيد من الأوكسجين للقوى السياسية التي استفادت من «الفرصة» فأنقذت نفسها من السقوط مع الضحايا. واعتبر العهد أن الفرصة سانحة كي يكون في مقدمة الحدَث بعد شهور من المقاطعة الخارجية له، لكنه في الوقت عيْنه، كان أقلّ تعبيراً عن التضامن الإنساني مقارنة بالحجم الهائل للكارثة الوطنية.

ردّ فعل الناس في بيروت المنكوبة كان تجاه العهد، لا سيما حين جاء الرئيس ماكرون وجال في بيروت بعد يومين من الانفجار، ولم يزر الرئيس اللبناني الأحياء المدمّرة.

قيل يومها إن عون بسبب سنّه لم يستطع التجول في الشوارع وبين حُطامها، فاكتفى بزيارة موقع الانفجار، لكنه في المقابل رفض تدويل التحقيق ووعد بنتائج تحقيق في مهلة لا تتخطى خمسة أيام.

بعد سنة من الانفجار، يحاول عون الإفادة من مجريات الحدث، أُعلن 4 أغسطس يوم حداد، وطني لكنه لم يستقبل أهالي الضحايا. وعد بتحقيق سريع، وحاول الدفاع عن المدير العام للجمارك بدري ضاهر قبل توقيفه، وكذلك الأمر في ملف رفع الحصانة عن المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا.

إذا كان عهد عون استفاد من تعويم نفسه، خصوصاً أنه لم تطَل الاتهامات أحداً من وزرائه، فإن حزبه «التيار الوطني الحر» كان أول الخاسرين.

في اللحظة الأولى بدا مشهد الانفجار يطول أكثر ما يطول البيئة المسيحية في بيروت.

عصْفُ الانفجار توجّه شرقاً، فحلّ الدمار في الأشرفية، إضافة إلى المرفأ وأحياء بكاملها وشرّد الآلاف.

ظهر هذا التيار وكأنه معني بالاتهامات، نتيجة تراكمات عام من الحملات ضده، فلم يتمكن من أن يكون حاضراً في مشهد بيروت.

وُجّهتْ الإتهامات إلى السلطة السياسية وإلى العهد، وإلى المنظومة كلها، فكان «التيار الحر» أول المستهدَفين.

حتى أنه لم يستطع أن يواكب على الأرض المساعدات أو عمليات الإنقاذ، ولم يتمكن أي مسؤول فيه من الحضور إلى الأرض المحروقة، خصوصاً في مقابل تولي «القوات اللبنانية»، خصمه التقليدي، الحضور الميداني بعدما سقط لها ضحايا وعملت على تقديم مساعدات فورية.