الأثنين 29 صفر 1444 ﻫ - 26 سبتمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

فيلم فيدرال بنك الطويل... حقّ وقبة باط

نوال نصر - نداء الوطن
A A A
طباعة المقال

فيلم لبناني واقعي طويل طويل عشناه البارحة. تابعناه بدقة. لحظة بلحظة. لكن ما يراه المرء وهو جالسٌ يتسلى بالبوشار قد لا يكون ‏نفسه على الأرض. نزلنا الى منطقة الحمراء. سيارات تقف وتسأل عنصراً في قوى الأمن الداخلي: وين فيدرال بنك؟ يدل: «خامس ‏مفرق على اليمين». أناس يشربون القهوة في ما تبقى من مقاهٍ في الحمراء. وكلما اقتربنا من موقع البنك إشتدّ صدى هتافات مليئة، ‏للمرة الاولى، بكمّ من الشتائم، واتجاهها واحد: «رياض (صرامي) سلامة والمصارف ال(…).». صحافيون ومصورون أكثر بكثير ‏من المتظاهرين. لكن متظاهراً واحداً مع مكبر للصوت قادر أن يوحي بأن الثورة آتية آتية آتية. بنك التمويل محاذٍ. قهوة «ترغلي» عند ‏القرنة ورائحة المعسل تفوح منها قوية. وفرن عبد العزيز اشتغل البارحة «قدّ شهر‎».‎

نسوة وعاملات أجنبيات وأشخاص «حشورين» وهرّة تروح وتجيء ورجل يتكئ على عصاه يكرر السؤال: ضهر؟ ضهر؟… ووحده ‏صوت الهاتف عبر مكبر الصوت: «يا دولة الإجرام يا منظومة الفساد يا رياض صرامي يا ولاد (الهيك وهيك)… يجعل الرجل يسكت ‏قليلا ليعود ويسأل: ضهر؟

هتاف: هيوا السلاح هيوا… غريب. التعاطف كبير مع كل إنسان محقّ، وبسام الشيخ حسين، إبن عيترون، بدا، كما ثلاثة ملايين لبناني ‏ولبنانية، محقاً. لكن، هناك من همس: إنتبهتم الى التوقيت؟ «هناك من يريد من خلاله تغيير التصويب عن سياسات وتحركات ‏وتحضيرات». لا نضع في ذمتنا. نعود لنسمع: هيوا السلاح… هيوا السلاح… عن أي سلاح يهتفون؟

نعود لنتفاعل مع بسام. هو شخص «قبض» المصرف على حقّه وأقفل أبوابه في وجهه. هو صاحب حقّ. يعود صوت مكبر الصوت ‏بهتاف: «كل يوم رح يصير في بسام على مصرف… يا مصارف الدعارة… يا ولاد الحرام… ما عنا شي نخسروا بدنا ناخد حقنا بالدم ‏والسلاح‎».‎

الصليب الأحمر هنا. القوى الأمنية كلها هنا. أمن الدولة وقوى الأمن الداخلي والمخابرات. وجوه تائهة. وصل أربعة شباب وراحوا ‏يصفقون ويهتفون: اعطوه مصرياتو يا حراميي… إرفع سلاحك يا بسام ضدّ كل الحكام». عاد مكبر الصوت متدخلاً: انكسر قسطل ‏مياه نزل نواب التغيير جميعا بلد مسروق ما في نائب تغيير‎».‎

الساعة السادسة إلا ربعا صدح هتاف جديد: «يا نسوان حضروا حالكن بدنا نفوت على المصرف. عناصر القوى الامنية لا تقفوا في ‏وجهنا. مصيركم مصيرنا. والإعاشة التي تأخذونها ذل. اتكلوا على الله يا نسوان وهيا الى الهجوم». نظرت النساء الموجودات الى ‏بعضهن البعض وانسحبنَ، فهنّ متفرّجات لا متظاهرات‎.‎

طلب بسام محق. تعاطفنا معه. لكن شيئا ما كان يُنبئ العديدين بأن الأمور تسير مثل قصص «بيت بيوت»، تتأزم في مكان، تثير ‏الغضب أحيانا، لكن سرعان ما يدور الضحك لشيء ما. وكأن قصص المطالبة بالحقّ أصبحت من القصص الدرامية الي تتخللها ‏كوميديا. وكأن لا أحد بات يثق بفيلم حتى ولو بدا، في تفاصيل كثيرة، واقعياً. مراسلات التلفزة كنّ يبحثن بالسراج والفتيلة عن خبر من ‏بعيد، من خلف الشرائط الصفر. رئيس لجنة المودعين حسن مغنية إقترب فرحنَ ينادينَ عليه: حسن… حسن… شو في جديد؟ أجاب: ‏نفاوض. وصلت شقيقة بسام. وصل صهره. وصل للتوّ من الجنوب بعدما سمع الخبر عبر خبر سريع. صار ينادي: خلوا أختو تدخل. ‏هم جميعاً من سكان الجناح- الأوزاعي. قال: «فليعطونا مبلغ 60 مليار ليرة (المبلغ باللبناني) وليكربجوه ويأخذوه. هو لا يخاف هو ‏رجل من ضهر رجل. أضاف: نصف ساعة ويخرج هو أخبرنا للتو بذلك. هو لم يكن يحمل سلاحا بل وجد رشاشا فحمله وطالب بحقه. ‏أنا كنت اسدد اقساط مركبة إستدنت ثمنها عبر البنك لكنني بعتها قطعا وحين سألوني عنها قلت لهم: إختفت السيارة‎»!‎

مسائل كثيرة غريبة عجيبة حصلت البارحة. فبسام أتى بالشحاطة يطالب بدولاراته ووجد رشاشاً جاهزاً، جنب المدير، يعرف كيف ‏يتعامل معه. كل شيء حصل بالصدفة؟ قد يكون ذلك صدفة وقد يكون لا. لكن، في الحالتين، هو صاحب حقّ‎.‎

المتجمهرون، المفاوضون، المسموح لهم بالإقتراب من بوابة البنك كانوا يتسامرون، يبتسمون، يحيون بعضهم بعض بودٍّ. والباب يفتح ‏ويغلق. كنا البارحة بالفعل وكأننا نتابع قصة «بيت بيوت» ألهتنا ساعات وساعات عن «بلاوي» البلد الأخرى. قناني المياه سقطت ‏مرارا فوق رؤوسنا فرطبت أجواء آب اللهاب. السادسة والربع لمحنا شخصاً ملتحياً يرفع يده محيياً من بعيد. إنه بسام الشيخ حسين، ‏الذي تحوّل في ساعات بطلاً. صعد في سيارة بيضاء وغادر بعدما سُلّم أهله بعض ماله: 30 أو 35 ألف دولار. إنتهى فيلم الخميس ‏الطويل. أحدهم قال: كربجوه وأخذوه. الشبان الأربعة الذين وصلوا معاً غادروا معاً يهتفون: سكروا الطرقات والساحات. فهرع ‏المتفرّجون للمغادرة خوفا من إقفال شوارع الحمراء. ولدان يبيعان الورود الحمراء وصلا للتوّ. وفتاة ترتدي سروالا قصيراً وعلى ‏فخذيها تاتو: على واحد «الحياة» وعلى الثاني «جميلة» سألت: خلصوا؟ أجابها رجل مسنّ: نعم إنتهت على خير وعادت الحياة حلوة‎.‎