الجمعة 12 رجب 1444 ﻫ - 3 فبراير 2023 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

كمين "حزب الله" لـ "اليونيفيل".. إفلات من العقاب يولّد الإرهاب

مكرم رباح - صحيفة الراي
A A A
طباعة المقال

ليلة الأربعاء الماضي، استعاد الجنوب اللبناني اعتداءات على قوات حفظ السلام الأممية، «اليونيفيل»، ولكن هذه المرة اعتداء بالدم أدى لمقتل جندي من القوة الايرلندية بأكثر من 27 رصاصة أطلقها من يوصفون باسم «الأهالي» أو «جناح التصدي للقوات الدولية» في «حزب الله».

في واقع محفوف بالمخاطر تنتشر القوة الأممية في منطقة يسيطر عليها «حزب الله» المرتبط بإيران، مقابل الجيش الإسرائيلي الذي يراقب ما يعتبره تهديداً للأمن القومي، تعرضت وحدة أيرلندية لكمين نصبه «أهالي» في بلدة العاقبية في جنوب لبنان، في منطقة تبعد تقنياً نحو 15 كيلومتراً من منطقة العمليات الخاضعة للقرار الأممي 1701.

وبحسب «مصادر محلية»، وهو عادة الاسم المستعار لـ «حزب الله»، فقد زُعم أن دورية «اليونيفيل» خرجت عن مسارها خلال توجهها إلى العاصمة بيروت وتعرّضت لحادث أدى لدهس شخص، وهو عمل أثار حفيظة السكان، حيث أطلقت النيران على القافلة، ما أدى إلى مقتل الجندي شون روني البالغ من العمر 23 عاماً وإصابة ثلاثة جنود ايرلنديين آخرين.

كالعادة، بيان «اليونيفيل» كان متحفظاً للغاية، ولم يقدم أي تبرير أو تفاصيل حول الواقعة، ولم يتعارض مع السردية المضللة التي طرحها «حزب الله» والتي نفى فيها تورط أعضائه أو حتى أنصاره بالحادثة.

رغم أنه ليس الهجوم الأول من نوعه، حيث استخدم «حزب الله» مراراً وتكراراً مجموعة «الأهالي» في أجزاء مختلفة من منطقة عمليات القوة الأممية جنوب نهر الليطاني لإيصال رسائل سياسية مرتبطة بملفات عدة وبالملف الإيراني على الأخص ومنها تفجير استهدف قوة إسبانية، ولكن هذه المرة الأولى التي يلجأ يستخدم فيها القتل المباشر.

وبالتالي، ما حصل يتطلب تفكيكا للوقائع المطروحة وإعادة النظر في الطريقة التي قرر بها «حزب الله» الابتعاد عن ممارساته السابقة للبلطجة الخفيفة، وتوقيت الكمين.

بداية، إن وجود دورية «اليونيفيل» على بعد 15 كلم من منطقة عملياتها يدحض حكاية «الضياع»، حيث يعتبر طريق صور – صيدا – بيروت خط مستقيم يسهل التنقل فيه، ويستخدمه الجنود الأمميون لإعادة الإمداد أو للانتقال نحو بيروت للراحة والاستجمام.

علاوة على ذلك، فإن جميع مركبات اليونيفيل مزودة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ومتصلة بغرفة قيادة مركزية كان من الممكن أن يراسلوها في حال ضياعها بالفعل، وتقوم اليونيفيل عادة بالاتصال بالجيش اللبناني وحتى مع حزب الله لضمان مرورها بأمان.

السؤال الآخر يطرح هو: أين دوريات الجيش اللبناني التي ترافق عادة مواكب اليونيفيل أثناء تنقلها؟ ولماذا تم توجيه إحدى الآليات في نقطة أبو الأسود إلى الطريق المؤدي لموقع الكمين؟

في مقطع الفيديو الذي تم تداوله، يظهر خلال تعرض سيارة «اليونيفيل» لإطلاق النار، أن الرماة من ذوي المهارات العسكرية العالية، حيث أصابوا السيارة بدقة بعدد من الرصاصات أثناء فرارها.

وظهر أن من يصفونهم بـ«الاهالي» هم شبان في سن عسكري، بالإضافة إلى عدد قليل من النساء والأطفال.

كما تظهر صور الكمين بوضوح نية استخدام العنف المفرط وليس فقط إبعاد قوات حفظ السلام.

كما يصعب تصديق أن «الاهالي» سيطلقون النار على قافلة أممية بنية القتل كما يظهر بالفيديو من دون تعليمات واضحة من «حزب الله»، تؤكد أن من يقوم بهذه المهمة محصن من العدالة.

ويمكن القول إنه في بلد مثل لبنان، لو ارتكب هذه الجريمة مواطن عادي، لكانت السلطات اللبنانية ألقت القبض على المتورطين في غضون ساعات من الحادث.

فجميع الجرائم التي تورط فيها «حزب الله»، بما في ذلك اغتيال الكاتب لقمان سليم في 3 فبراير 2021 على بعد أميال قليلة من واحدة من أكبر قواعد «اليونيفيل»، جريمة لم يتم التحقيق فيها بشكل مناسب من قبل الدولة اللبنانية.

الهجوم على «اليونيفيل» يأتي قبل 10 أيام تقريباً من زيارة مزعومة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، ويزور خلالها بالتأكيد القوات الفرنسية العاملة ضمن القوات الدولية في جنوب لبنان عشية عيد الميلاد.

علاوة على ذلك، قبل يوم واحد من الحادثة، اتهمت وزيرة الدفاع الفرنسية السابقة ميشيل اليو ماري في حديثها لقناة «العربية»، «حزب الله» والنظام السوري باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وهذا يمثل خروجاً واضحاً عن اللغة التي يستعملها الفرنسيين تجاه حزب الله.

وبالتأكيد هناك دوافع أمنية وعسكرية رئيسية لكمين حزب الله على دورية اليونيفيل.

فمنطقة الكمين والخط الساحلي تعتبر ممراً مهماً لحزب الله، وموقعا أساسياً لمخازن الأسلحة، لأنها تقع خارج نطاق اختصاص قرار مجلس الأمن رقم 1701.

وخلال السنوات القليلة الماضية، تعرضت مستودعات أسلحة حزب الله لتفجيرات عدة، وهي حوادث لم يتم التحقيق فيها من قبل السلطات اللبنانية، بينما أصر حزب الله على أنها حوادث عادية.

ليأتي الكلام الإسرائيلي الأخير عن إمكانية استهداف مطار بيروت الدولي أحد خطوط الإمداد اللوجيستي لحزب الله ضمن هذا الإطار.

ونتيجة لذلك، كان «حزب الله» ينقل بشكل نشط مكونات أسلحة جديدة مثل تكنولوجيا الصواريخ الذكية والمسيرات وحتى الأسلحة الكيماوية إلى لبنان، وهو أمر لن يقبل به الإسرائيليون، وبالتالي فإن جنوب لبنان وتحديداً المنطقة التي وقع فيها الكمين سيصبح هدفاً لغارات جوية إسرائيلية كما هو الحال في سورية.

وبالتالي، يريد «حزب الله» تذكير المجتمع الدولي بأنه لن يتسامح مع أي إشراف على نشاطه في المنطقة أو أي هجمات جوية مستقبلية ضد مستودعاته، مهدداً حياة جنود حفظ السلام البالغ عددهم 9923 جندياً من 48 دولة مساهمة، ليكونوا مجرد رهائن تحت مرمي بنادق «الأهالي».

إن كمين العاقبية ضد «اليونيفيل» هو إعادة تأكيد لما يمتهنه «حزب الله»، أي استخدام القتل والعنف بمواجهة أي مشكلة تواجهه، وهو ما يؤكد أن قوات حفظ السلام الأممية، وقضية الجندي الأيرلندي شون روني «أسرى» لدى الميليشيات، ما يدفع لتذكير المطبعين مع عقلية القتل، ومن بينهم ماكرون، بأن العنف والإفلات من العقاب لن يولدا الاستقرار أبداً، وأن الجلوس مع الجناح «السياسي» لـ «حزب الله»، كما فعل في الماضي، سوف يدفع القاتل إلى المزيد من العنف.