الجمعة 11 ربيع الأول 1444 ﻫ - 7 أكتوبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

لعبة شد الحبل بين العراقيين تُنهك العراق!

هدى الحسيني - الشرق الأوسط
A A A
طباعة المقال

على أي حافة يقف العراق؟
لم تنتهِ الاغتيالات فيه حتى اليوم، فقد اُغتيل يوم الثلاثاء الماضي ضابط الأمن الوطني العميد قاسم داود سلمان، مع سائقه في محافظة ميسان جنوب العراق.
كما تزداد المراوغة مع التسريبات من الأطراف المتنافسة بشاعةً. والمؤكد أن العراق مشبع بالتجسس والمراقبة والقرصنة والتنصت.

لقد أعطت الولايات المتحدة الحكومة العراقية (أي رئيس الوزراء) معدات المراقبة الأساسية في عام 2011.

بعد ذلك، وفي عام 2016، تلقى جهاز الاستخبارات الوطنية العراقية معدات أكثر تطوراً من الولايات المتحدة قادرة على مراقبة الاتصالات الإلكترونية وبعضها مشفَّر لأغراض مكافحة «داعش»، ولا تزال قيد الاستخدام حتى اليوم من الاستخبارات الوطنية العراقية. بالطبع الولايات المتحدة قادرة على تتبع جميع الاتصالات الإلكترونية (100%) في العراق، لكن ما يستفيق عليه العراق كل يوم ليست تقارير من السفارة الأميركية، بل شتائم واتهامات يكيلها المسؤولون العراقيون بعضهم لبعض في جلساتهم الخاصة، تطيح بأي محاولة للتقريب بينهم.

مَن المنخرط في حملة التسريبات الحالية؟ المالكي وطالباني والصدريون جميعهم مستهدفون حتى الآن، ومتوقع المزيد في المستقبل. يتهم البعض رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالقيام بذلك ولكن على الأرجح مزيج من اللاعبين المشار إليهم في التغريدات المنتشرة.

أيضاً من الواضح أن دولاً أخرى مثل إيران وتركيا وإسرائيل وغيرها منخرطة أيضاً، فكما هو معروف فإن العراق مشبع بكل ما يحبط.

إضافةً إلى الاتهامات الصوتية، انشغل العراقيون على مدى الأيام الماضية، بخبر اعتقال مدير أمن محافظة ميسان بتهمة الرشوة والفساد.

وعلى الرغم من أن أخبار الفساد والقبض على متورطين غالباً ما تمر مرور الكرام في البلاد، فإن اللافت هذه المرة، كان توثيق لحظة القبض على المسؤول الأمني الرفيع متلبساً بالصوت والصورة داخل مكتبه، والأموال بين يديه، وهو مندهش ومذهول من «جرأة» ما يحصل!

تبقى محاولات مصالحة الأطراف كما تفعل الولايات المتحدة في كردستان، حيث أكد القنصل العام للولايات المتحدة في أربيل، إرفين هيكس جونيور، دعم بلاده للإصلاح الجاري لقوات البيشمركة، حسب بيان.

وجاءت التصريحات خلال لقاء بين الدبلوماسي الأميركي ووزير شؤون البيشمركة شورش إسماعيل في أربيل، حيث بحث الطرفان التطورات السياسية والأمنية في المنطقة والتعاون الأمني بين أربيل وواشنطن.

وأطلع إسماعيل الدبلوماسي الأميركي على التقدم المحرز في إصلاح قوات البيشمركة، وأكد هيكس جونيور «الدعم المستمر» له، حسب البيان.

لكن في الواقع كشف الدبلوماسي الأميركي أن توحيد قوات البيشمركة يمثل «مهمة صعبة» تتطلب دعماً متعدد الأطراف.

وتعد قوة البيشمركة الموحدة تحت قيادة وزارة شؤون البيشمركة أحد الأجزاء الأساسية لعملية الإصلاح، التي حظيت بدعم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لهزيمة «داعش» وشركائه.

وصرح إسماعيل للصحافيين مؤخراً في بيان صحافي بأن قوات الدعم الرئيسية تم وضعها تحت قيادة الوزارة. وشدد على أن «بناء الثقة» هو حجر الزاوية لنجاح العملية، داعياً جميع الأطراف السياسية إلى دعم جهود حكومة إقليم كردستان في هذا الصدد.

ونعود إلى العراق ككل، حيث غرّد الزعيم العراقي مقتدى الصدر مساء (الثلاثاء) قائلاً: «نحذر من جهات تريد زرع الفتنة في العراق».

يدخل العراق شهره العاشر من الجمود السياسي بعد الانتخابات البرلمانية التي فشلت في تحقيق أغلبية عملية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وهي أطول فترة من دون حكومة عاملة في تاريخ البلاد بعد الرئيس صدام حسين. وبينما يتجادل السياسيون في بغداد، كانت الاحتجاجات العنيفة تندلع في «المنطقة الخضراء» المحصنة في العاصمة وحولها. بشكل عام، هناك شعور بأن المكاسب المفاجئة الأخيرة في عائدات النفط قد أخّرت حساباً اجتماعياً وسياسياً طويل الأمد؛ ومع ذلك، فإن عدم وجود حكومة عاملة في بغداد يعني عدم وجود حزمة إصلاح شاملة، وعدم وجود أمل في تحقيق الاستقرار في البلاد على المدى الطويل.

يبقى العراق مثالاً نموذجياً على الخلل السياسي. لا تزال المؤسسات الديمقراطية الموروثة من سلطة التحالف المؤقتة الأميركية، والتي تم تعديلها وتقنينها في الاستفتاء الدستوري لعام 2005، غير كافية بشكل يُرثى له لإيجاد اتفاق عبر الانقسامات الطائفية في البلاد. وكانت النتيجة إجهاد سياسات الهوية التي كثيراً ما تعرقل الجهود المبذولة لبناء التحالفات، مما ينتج عنه سياسة شبيهة بلبنان. علاوة على ذلك، فإن المكاسب الاقتصادية المتوقعة من السلام والديمقراطية لم تصل حقاً، بل على العكس تماماً، فقد كافح العراق لتحديث بنيته التحتية النفطية، ولم يتحدث بشيء عن تنويع الاقتصاد بعيداً عن الوقود الأحفوري، واضطر أيضاً إلى تحمل الانكماشات المختلفة في أسعار النفط العالمية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى دفع اقتصاد قطاع الدولة النفطي الهجين إلى حافة الانهيار.

لم تعطِ نتيجة انتخابات 2021 نوع التفويض القوي الذي كان الأمل أن يرسخ استقرار السياسة الوطنية. وقد تم الطعن في النتيجة من مختلف الأحزاب والحركات منذ الإعلان عنها لأول مرة، مع احتلال الكثير من المؤيدين للمناطق وإقامة معسكرات احتجاجية لدفع مطالبهم. تلقت شرعية النتيجة ضربة أخرى من 41 في المائة من الناخبين المؤهلين الذين أزعجوا أنفسهم أو خاطروا بالإدلاء بأصواتهم.

بعد انتهاء التصويت، كان التيار الصدري بقيادة رجل الدين الشيعي القومي مقتدى الصدر، قد حصل على 73 مقعداً بنسبة 10% تقريباً من الأصوات. لكن هذا يظل بعيداً عن تحقيق أغلبية في البيت العراقي المكون من 329 مقعداً، ومما زاد في الصعوبة عدم وجود شركاء كبار آخرين للعمل معهم:

حصل الحزب الثاني على 37 مقعداً (حزب التقدم)، والحزب الثالث على 33 مقعداً (دولة القانون بزعامة نوري المالكي)، والحزب الرابع على 31 مقعداً (الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو حزب إقليمي أساساً). ثم تأتي العشرات من الأحزاب الصغيرة أو نحو ذلك، يليها 43 مقعداً «مذهلاً» تخص مرشحين مستقلين.

قد يمثل هذا العدد كابوساً من صنع التحالف لديمقراطية غربية متطورة مؤسساتياً، ولكن بمجرد تطبيقه على المظالم الطائفية والتاريخية التي تدعم النظام السياسي العراقي، يصبح التحالف المستقر مستحيلاً تقريباً.

وهذا بالضبط ما حدث: انهارت المحاولات المبكرة للتيار الصدري لتشكيل تحالف يتمحور حول الشراكة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الكردي وحزب التقدم، بسبب عرقلة من مختلف الأحزاب المرتبطة بإيران.

في نهاية المطاف، قرر الصدر سحب نوابه من البرلمان، مما أدى إلى استقالة جماعية في يونيو (حزيران). بعد شهر واحد، رشح إطار التنسيق المؤيد لإيران محمد شياع السوداني كرئيس للوزراء (يصفه الصدريون بأنه خارج من بطن نوري المالكي العدو اللدود لمقتدى الصدر)، مما أثار موجة من الاحتجاجات من أنصار الصدر.

وبهذه الطريقة، تحولت السياسات الرفيعة المستوى إلى لعبة شد الحبل بين التيار الصدري القومي والأحزاب المدعومة من إيران، وكلاهما يزعم أنه يمثل غالبية السكان الشيعة، ولا يستطيع أي منهما فرض إرادته من جانب واحد على الجانب الآخر. واستمرت هذه الديناميكية حتى أواخر أغسطس (آب)، عندما أعلن الصدر «انسحابه النهائي» من السياسة، مما دفع أتباعه إلى اقتحام القصر الجمهوري داخل المنطقة الخضراء ببغداد.

يمثل «الانسحاب النهائي» للصدر تهديداً وتصعيداً في الدراما السياسية العراقية التي تحترق ببطء. إنه إعلان في الواقع أن حركته ستلجأ إلى النضال بوسائل أخرى إذا ظل الطريق الشرعي للسلطة السياسية معطلاً -ولن يتطلب الأمر الكثير لإطلاق دوامة جديدة من العنف السياسي، كما يتضح من الاشتباكات التي وقعت في بغداد ومناطق أخرى ودفعت آية الله السيستاني إلى الطلب من الصدر توجيه كلمة لأتباعه بالانسحاب.

لطالما كانت الكتابة معلَّقة على الحائط عن حرب أهلية جديدة محتملة: عمليات القتل المستهدف شائعة بين الكتلتين الشيعيتين (الكتلة العراقية والكتلة الموالية لإيران)، ومعظم اللاعبين السياسيين الرئيسيين لديهم جناح شبه عسكري يلجأون إليه إذا استمر الوضع في التدهور. يبدو أن ضراوة أعمال العنف في بغداد، التي أسفرت عن مقتل 30 شخصاً على الأقل خلال 24 ساعة، فاجأت حتى الصدر، حيث وافق على دعوة أنصاره إلى الانسحاب من المنطقة والسماح للقوات المسلحة بالتحرك. كان الصدر يدعو إلى انتخابات جديدة في الفترة التي سبقت «انسحابه»، ولكن بالنظر إلى بلقنة النظام السياسي العراقي والعلاقة المستعصية بين الصدر وإيران (التي حاولت طهران وفشلت في إصلاحها)، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن تصويتاً جديداً من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة عن التصويت السابق.

إذا كان هناك شيء واحد يعمل لصالح العراق في الآونة الأخيرة، فهو الاقتصاد. أدى الانتعاش الأخير في أسعار النفط إلى قلب ميزانية الدولة من عجز إلى فائض، وشهدت القطاعات غير المتعلقة بالطاقة نمواً مثيراً للإعجاب خلال العام الماضي. ومع ذلك، لا تزال هذه القطاعات شديدة التعرض للصدمات الجديدة، سواء كانت ناجمة عن الاقتصاد العالمي أو تغير المناخ. قد يؤدي الركود الكبير في الصين، على سبيل المثال، إلى تقويض أسعار الطاقة، وتستمر أسعار المواد الغذائية في الارتفاع بسبب تضخم أسواق الغذاء العالمية والأضرار المرتبطة بالمناخ للإنتاج الزراعي المحلي.

بالنظر إلى المستقبل، تشير جميع الدلائل إلى حساب عنيف بين السلالات القومية والمرتبطة بإيران في السياسة الشيعية في العراق. وهذا بحد ذاته ينطوي على إمكانية حقيقية لإحداث موجة من العنف السياسي. ومع ذلك، فإن احتمالات مثل هذا الأمر يعود إلى حد كبير إذا خرج الانتعاش الاقتصادي المؤقت للعراق عن مساره بسبب الافتقار إلى الإصلاحات المحلية أو قوى الاقتصاد الكلي الخارجة عن سيطرة بغداد. وأيضاً، وهذا هو الأهم، إذا ظلت إيران تحرك جماعاتها ضد القوميين العراقيين، يجب ألا ننسى أنه حتى لو توقف الآن فقد نجح مقتدى الصدر في الكشف عن روح الكراهية ضد إيران لدى أغلبية شيعة العراق العرب.

يمر العراق الآن بمأزق سياسي، وحذار حذار أن يبدأ الاتجاه نحو تصفية الحسابات.