استمع لاذاعتنا

ما علاقة العقوبات الأميركيّة برئاسة الجمهوريّة؟

ناصر زيدان - الأنباء الكويتية
A A A
طباعة المقال

فيما لبنان يغرق في مستنقع الفقر والضياع. وفيما الناس تئن تحت وطأة العوز والمرض والبؤس والخوف من المستقبل، تضج البلاد بالحديث عن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على بعض الشخصيات السياسية، ومدى العلاقة التي تربط بين هذه العقوبات والاستحقاقات الدستورية اللبنانية، كتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة سعد الحريري، او بالترشح لرئاسة الجمهورية خلفا للعماد ميشال عون.

مصدر واسع الإطلاع على خفايا السياسة الخارجية الأميركية، يرى أن آلية فرض العقوبات المالية والجزائية، لا تخضع لحسابات سياسية غب الطلب، او للتوظيف الشخصي او السياسي لمصلحة أي كان، او ضد أي كان من الأشخاص او الأحزاب او الطوائف. والقوانين الأميركية التي تضبط عمل الإدارة المالية، لا تسمح بأي استغلال لهذه العملية، مهما كانت دوافع هذا الاستغلال او الغاية السياسية منه. والأعمال الإجرائية لتحديد الأشخاص، او المؤسسات التي ستفرض عليها العقوبات تأخذ وقتا طويلا، وتمر بتحقيقات دقيقة، تستند الى أدلة دامغة توافق عليها وزارات العدل والخزانة والخارجية ودوائر الأمن، والقرارات لا تخضع لأي تطلعات ارتجالية، وإجراءاتها مبنية على حسابات تتعلق بمصالح الدولة العليا، ولخدمة السياسة الأميركية في الخارج التي تحارب الإرهاب، وتحرص على حماية معايير حقوق الإنسان، ومنع كل أشكال تببيض الأموال الناتجة عن الفساد والرشوة وتجارة المخدرات، على ما يقول المصدر ذاته.

من المؤكد أن الواقع المأساوي في لبنان، يجذب الأميركيين وغيرهم للعمل على تسويق المبادئ الإنسانية التي يعلنون الالتزام بها، والولايات المتحدة ترى أن مكانتها العالمية تفرض عليها المساهمة في تقدم البشرية، وتوفير فرص الاستقرار والتنمية لدى شعوب العالم الأخرى. وهناك الكثير من الدول والأحزاب والأفراد، لا يقتنعون بهذه المقاربة، ويعتبرون أن التدخلات الأميركية هي شكل من أشكال الإمبريالية التي تهدف الى توسيع الهيمنة على مقدرات العالم، وتطويع الشعوب الأخرى في خدمتها، ويرى هؤلاء، أن سياسة واشنطن في منطقة الشرق الأوسط بالتحديد، هدفها الوحيد خدمة المصالح الإسرائيلية.

من الصعوبة بمكان الاقتناع بأن العقوبات الأميركية تفرض على نائب كجبران باسيل لحرمانه من الترشح الى رئاسة الجمهورية او لتفرض عليه تغيير تحالفاته السياسية. والقرار الأميركي معلل بمجموعة من الاتهامات الدامغة، وقد سبق للانتفاضة الشعبية وللإعلام أن تحدث عن هذه المخالفات. وواقع لبنان الذي أداره فريق باسيل وحلفائه على مدى 7 سنوات، يؤكد وجود الجنوح الذي جاء في متن القرار الأميركي. علما أن العقوبات سبق أن شملت شخصيات وأحزابا غير باسيل، وهي ستشمل آخرين كما قال مسؤول أميركي رفيع المستوى.

وليس للقرار الأميركي أي صلة بموضوع تشكيل الحكومة الجديدة، فقد تحدث الإعلام عن هذه العقوبات قبل تكليف الحريري، لكن الرغبة الدولية واضحة بضرورة الشروع فورا بالتشكيل. كما أن ما يجري في ملف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل ليس سبباً لهذه العقوبات، ولو كان الأمر مرتبطا بهذه الناحية، لكانت ألغيت العقوبات عن بكرة أبيها، لأن واشنطن كانت راعية لهذه المفاوضات وراضية عنها.

صحيح أن مبادئ القانون الدولي العام تعتبر فرض العقوبات تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولكن الصحيح أيضا أن استغلال النفوذ وتجاوز القوانين داخل بعض الدول، كان يستثمر لتخريب الانتظام الدولي، ولتشريع الانتهاكات التي تؤثر على الاستقرار المالي في العالم، ولتغطية الفظائع الجنائية التي ترتكب بحق الآمنين، كما حصل للمدنيين في بيروت من جراء تفجير المرفأ.

تقول أوساط متابعة لما يجري: كان أجدى بالذين استنفروا لإبراز مظالم العقوبات، وسخروا مؤسسات الدولة الرسمية للدفاع عن بعض الأشخاص، القيام بمثل هذا الجهد لإنقاذ البلاد من الغرق، والإسراع في تشكيل حكومة مهمة، لأن مصالح الشعب أهم من مصلحة الأشخاص مهما علا شأنهم.