الجمعة 15 جمادى الأولى 1444 ﻫ - 9 ديسمبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

ملفّ المرفأ يفجّر علاقة وزير العدل ورئيس القضاء الأعلى

يوسف دياب - الشرق الأوسط
A A A
طباعة المقال

انفجر الخلاف بين وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري، وبين رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، على خلفية إصرار الوزير على تعيين القاضية سمرندا نصّار، محققاً عدلياً رديفاً في جريمة انفجار مرفأ بيروت، وتكليفها مهمّة البتّ بإخلاء سبيل 17 موقوفاً في القضية وعلى رأسهم مدير عام الجمارك بدري ضاهر، المحسوب على رئيس الجمهورية ميشال عون، وصهره النائب جبران باسيل.

شظايا هذا الخلاف، أصابت أعضاء مجلس القضاء الأعلى الذين امتثل معظمهم لدعوة وزير العدل، ولم يترددوا في عقد جلسة طارئة للمجلس للبتّ بتعيين محقق إضافي، وإعادة النظر بمشروع مرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز، ورغم الموقف الحادّ للقاضي عبّود وإعلانه رفض «التدخل السياسي بعمل القضاء من خلال وزير العدل»، عقد مجلس القضاء جلسة أمس برئاسة نائب الرئيس (المدعي العام التمييزي) القاضي غسّان عويدات، وهو ما شكّل تحدياً واضحاً للقاضي عبّود، وكرّس انقساماً حادّاً في رأس هرم السلطة القضائية، وإصرار أغلب الأعضاء على المضيّ بتعيين القاضية نصّار.

ورغم الرسالة التي انطوت عليها الجلسة، وما ستخلّفه من تداعيات على الواقع القضائي، فإن مجلس القضاء أخفق في تلبية طلب وزير العدل، بسبب عدم الاتفاق على اختيار قاضٍ لرئاسة إحدى غرف محاكم التمييز خلفاً للقاضية جمال الخوري التي أحيلت على التقاعد، وفقدان النصاب القانوني عند الانتقال إلى التصويت على تعيين نصّار كمحقق رديف، بفعل انسحاب القاضي عويدات، المتنحّي مسبقاً عن أي إجراء يتعلّق بملف مرفأ بيروت، بسبب صلة القرابة بينه وبين وزير الأشغال الأسبق والنائب الحالي غازي زعيتر المدعى عليه في القضية. وأثارت الجلسة جدلاً حقوقياً وقضائياً بشأن قانونية انعقادها بغياب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، إلا أن أحد أعضاء المجلس أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الجلسة التأمت بنصاب قانوني، وترأسها نائب رئيس المجلس القاضي غسان عويدات. وأشار القاضي الذي رفض ذكر اسمه إلى أن «القانون واضح، وينصّ على أن مجلس القضاء ينعقد برئاسة رئيسه أو نائب الرئيس أو أعلى الأعضاء درجة»، معتبراً أنه «لا مجال للشرح والتفسير في ظلّ وضوح النصوص القانونية». وقال: «لقد حرص المشرّع على عدم اختصار مجلس بشخص واحد (الرئيس) وعدم تقييده بأهواء أيٍّ كان».
وبدا لافتاً أن القضاة الذين شاركوا في الاجتماع، خرجوا بانطباع إيجابي، يعبّر عن تحررهم من تعليق الجلسات على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، ورفض عضو مجلس القضاء «اتهام أعضاء المجلس بتبعيتهم لأحزاب السلطة والتيارات السياسية». وقال: «نحن لم نتقيّد اليوم بجدول الأعمال الذي حدده وزير العدل، بدليل أننا لم نبتّ بالبنود التي حددها الوزير، بل طرحنا من خارج جدول الأعمال بنوداً أخرى واتخذنا قرارات بشأنها، وأهمها الموافقة على أهلية 34 قاضياً جديداً تخرجوا من معهد القضاء، وتوزيعهم على المحاكم من دون انتظار التشكيلات القضائية المعطلة منذ سنتين، وهذا دليل على أن المجلس سيّد نفسه، وليس أسير الإملاءات السياسية كما يروّج البعض».

وكان لافتاً أن الأعضاء الذين عقدوا الاجتماع أصدروا بياناً بمبادرة منهم، وليس عبر أمانة سرّ مجلس القضاء الأعلى كما درجت العادة، وعزا مصدر قضائي السبب إلى أن «رئيس مجلس القضاء وأمين السرّ غادروا مقرّ مجلس القضاء في نفس الوقت الذي بدأت فيه الجلسة». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الأسلوب شكّل مفاجأة، كأن أمانة السرّ مرتبطة بشخص الرئيس وليس بمؤسسة مجلس القضاء». وجاء في البيان الصادر بعد الاجتماع، أن «مجلس القضاء الأعلى عقد جلسة بنصاب قانوني بناءً على كتاب وزير العدل». وأكد أعضاء المجلس أن الاجتماع جاء «التزاماً منهم بنصّ القانون وخارج أي غاية سياسية، ويهدف إلى تأمين سير عمل المرفق القضائي ويهدف إلى متابعة أوضاع القضاة المعنوية والمادية». وأكد البيان أن المجلس «وافق على إعلان أهلية 34 قاضياً متدرجاً من خارج جدول الأعمال، وأرجأ الجلسة إلى يوم الثلاثاء المقبل».

وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى قد انتقد بشكل حادّ «ما يتعرّض له القضاء والقضاة ومجلس القضاء الأعلى ورئيسه، من محاولات تدخل سياسي سافر في العمل والأداء القضائيين، من خلال حملات ممنهجة ومتمادية، تضمّنت فيما تضمّنته تجنيات وافتراءات وتهجّماتٍ وتجاوزات». ورأى رئيس مجلس القضاء أنّ «التدخلات السياسية في القضاء، الحاصلة من الجهات والمراجع المختلفة، صراحةً أو ضمناً، سكوتاً أو تجاهلاً، أسهمت وتسهم في ضرب الثقة بالأداء القضائي»، معتبراً أن «التدخل السياسي، تظهّر في آخر أوجهه وأحدثها، من خلال دعوة وزير العدل إلى اجتماعٍ لمجلس القضاء الأعلى، ووضعه لجدول أعماله، وذلك في سابقة لها مبرراتها السياسية لا القضائية»، مؤكداً أنّ «مسار العدالة في لبنان لن يتوقف، خصوصاً في قضية انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات وإنزال العقوبات الملائمة بحق المرتكبين». وشدد على التزامه بـ«قَسَم الحفاظ على استقلالية القضاء وكرامته، بكلّ أمانة وإخلاص، وهو لم ولن يُفَرِّط َ أبداً، ولن يتهاونَ إطلاقاً، في تطبيق مضمون قَسَمه».