للجدران آذان: وثائق أمنيّة سوريّة بقبضة الشعب

مايا العمّار- صحافية لبنانية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

عندما انسحب ضبّاط الأمن السوريّون من مرافق المخابرات والفروع الأمنيّة في الرقّة والطبقة وإدلب، كان الخوف على الوثائق الأمنية، ربّما، آخر ما يراودهم. حينها، نفضوا غبار الملفّات عنهم. فإمّا لم يكترثوا بما خلّفوا وراءهم، أو فاتهم أن يفكّروا بآلاف السجلّات الأمنيّة التي استلموها أو وقّعوها ووثّقوا فيها قرارات رصد لمجموعات وأفراد واعتقالهم، وقمعهم، و”إجراء اللّازم” بحقّهم… تلك السجلّات نفسها التي يُؤمل أن تُستخدم، يوماً ما، كأدلّةٍ دامغةٍ على انتهاك المسؤولين السوريّين لحقوق الإنسان وارتكابهم جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم حرب بحقّ الشعب السوري الذي ما زال ينتظر خبراً من رُسُل العدالة.

منذ عام 2013، سعى “المركز السوري للعدالة والمساءلة” و”لجنة العدالة والمساءلة الدوليّة” إلى سحب الآلاف من الصفحات والملفّات من مراكز أمنيّة تركها عناصرها، وعملا على إنقاذها وحفظها، علّها تُستثمر في خدمة آليّات العدالة القائمة وأقسام الادّعاء العام التي تُمسك بقضايا ضبّاط ومسؤولين سوريّين كبار متّهمين بجملةٍ من الانتهاكات وجرائم الحرب، كما هو حاصل في فرنسا وألمانيا والسويد بموجب مبدأ “الولاية القضائية العالميّة”.

استطاع المركز السوري الاحتفاظ بحوالي 438،000 صفحة ممسوحة ضوئياً من وثائق أُخذت من مرافق حكوميّة. وشمل تحليله الذي وردت نتائجه في تقريره الجديد “للجدران آذان: تحليل وثائق سريّة من أجهزة الأمن السوريّة“، عيّنة تتألّف من أكثر من 5000 صفحة يعود معظمها لما بعد عام 2011، صادرة بشكل أساسي عن 8 فروع تابعة لجهازَين رئيسَين، هما: الهيئة العامة للأركان وشعبة المخابرات العسكريّة. تُشكّل تلك الوثائق أرضيّةً ثمينة لعمل آليّات العدالة الدوليّة، بما فيها “الآليّة الدوليّة والمحايِدة والمستقلّة” التي تنادي منظّمات حقوقيّة بإنعاشها وتفعيل دورها.

ومن أهمّ النتائج التي كشفها التقرير، تورّط “أعلى مستويات الحكومة السوريّة” في جرائم حرب وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وثبوت اطّلاع شخصيّات رفيعة المستوى “على الاحتجاز غير المبرَّر للنساء والأطفال”، وأوامرها التي قضت “باستخدام القوّة المميتة ضد المدنيّين”، واضطهاد الأقليّات ومراقبتها وترهيبها، خاصّة الكرديّة منها، وتأخير الشحنات الإغاثيّة أو تحويلها عن مسارها.

في هذا الإطار، قال محمّد العبدالله، المدير التنفيذي “للمركز السوري للعدالة والمساءلة” إنّها “المرّة الأولى في تاريخ سوريا التي يتمّ فيها الكشف عن أدلّة متعلّقة بأعلى مستويات الحكومة السوريّة”، مشدّداً على وجوب تعامل الدول مع بند إصلاح القطاع الأمني كشرطٍ مُسبَق لتقديم أموال إعادة الإعمار. كما لفت العبدالله إلى وجوب أن يعطي مبعوث الأمم المتّحدة الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، الأولويّة إلى الإصلاح الفعلي لقطاع الأمن من خلال “دمج السيطرة المدنيّة على مؤسّسات القطاع المدني وإبعاد القطاع الأمني عن الجوانب اليوميّة للحياة المدنيّة”.

يأمل الباحثون والحقوقيّون أن تشكّل الوثائق المجموعة مرجعاً يخدم الإصلاح المؤسّسي، لما توفّره من معطياتٍ ومؤشّراتٍ دقيقة ترسم صورةً لطريقة عمل شبكة الأمن السوري المعقّدة بمختلف أجهزتها المخابراتيّة ومكوّناتها المُتنافِسة. أمّا الأهميّة الكبرى لهذه الصفحات، فتكمن في مساهمتها القيّمة والضروريّة في عمليّة حفظ الذاكرة السوريّة والسجلّات التاريخيّة، وفي تشكيلها أساساً صلباً للمحاكمات الدوليّة، على غرار محاكمات نورنبرغ التي استندت إلى آلاف الأوراق التي خلّفها الضبّاط النازيّون، ومحاكمة سلوبودان ميلوسيفيتش في المحكمة الجنائيّة الدوليّة الخاصّة بيوغوسلافيا السابقة، ومحاكمات الخمير الحمر في كمبوديا، وغيرها من المحاكمات والآليّات الدوليّة للمحاسبة.

شملت الوثائق التي تناولها وحلّلها تقرير المركز السوري ممارسات ومواضيع عديدة قامت بها الدولة السوريّة، ينضوي معظمها تحت عناوين مثل “عمليّات الرصد والمراقبة، المعتقلون وقوائم المطلوبين، قواعد الاشتباك، الاعترافات بارتكاب جرائم محتلمة، قمع الأكراد والأقليات الأخرى، والتنبّؤات المستقبليّة والمؤامرات”.

في ما يتعلّق بالصفحات المُصنّفة تحت عنوان “قمع الأكراد”، فقد استطاع المركز السوري تحديد 349 صفحة ذُكر فيها الأكراد أو أنشطة خاصّة بهم، ممّا يدلّ إلى تدخّل حكومي قوي في حياة الأكراد، ورغبة رسميّة بقمعهم وتطويعهم. ويعزو التقرير عدم وضع اليد على وثائق تتعلّق بأقليّات أخرى إلى طبيعة المواقع التي أُخذ منها العدد الأكبر من الوثائق والتي تتضمّن أعداداً أكبر من الأكراد؛ بالإضافة إلى كون المجتمع الكردي أكثر تنظيماً، مقارنةً بالأقليّات الأخرى، وله تاريخ أطول في تنظيم الأنشطة من خارج جناح منظومة البعث السوريّة.

أمّا بالنسبة إلى قوائم المطلوبين والمعتقلين، فقد شكّلت الصفحات الأمنيّة ذات الصلة بهذه المسألة 11% من العيّنة المدروسة، ودلّت محتوياتها إلى الانتشار الكثيف للمُخبرين، وشيوع ممارسات الوشاية، والاعتقال الجماعي، وأوامر توقيف ضبّاط منشقّين، وبالطبع، متظاهرين وصحافيّين وحقوقيّين ومواطنين مارسوا حقّهم البديهي بالتنظيم أو الدعوة أو التعبير، أو ضغط نقرة “أتيندينغ” على فيسبوك… وإذا كان بعضُ هؤلاء اعتُقلوا بتهمة “شتم الرئيس خلال دعوة عشاء”، فجميعهم وُضعوا في الخانة نفسها مع أفراد الجماعات المسلّحة، والجماعات المتطرّفة، بوصفهم “عناصر تحريضيّة”.

فضلاً عن ذلك، أثبتت الوثائق حالات اعتقال طالت عدداً من الأطفال، حيث يظهر في إحدى الأوراق طلبٌ صادر عن رئيس شعبة الأمن السياسي في دمشق بالحصول على أسماء النساء والأطفال المحتجزين في الفرع المحلّي:

 

 
تضمّنت الصفحات الخاصّة بالمعتقلين بعض الأسماء الواردة في القوائم الحكوميّة، اتّضح أنّها غير واردة في القوائم التي بحوزة المنظّمات غير الحكوميّة، الأمر الذي يعكس، مرّةً أخرى، ضرورة إحراز تقدّم في هذا الملفّ ومسؤوليّة النظام في الكشف عن اللّوائح بأسماء المعتقلين في مراكزه ومواقعهم وحالاتهم الراهنة، وإعلام ذويهم بمصائرهم.

بين آذار 2011 وآذار 2019، وصل عدد المعتقلين تعسّفاً والمخفيّين قسراً الذي وثّقته بعض الجهات المدنيّة، وفق موقع الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، إلى 143176 شخص، 90% منهم يتحمّل النظام السوري مسؤولية اعتقالهم أو اختفائهم. وقد جاء اعتقال عدد من هؤلاء كوسيلة لردعهم عن المشاركة في التحرّكات الشعبيّة وتخويف كلّ من تخطر له المشاركة، وتقليل عدد المتظاهرين تجمّعاً تلو الآخر، وبالتالي، توهين الثورة برمّتها.

حين اجتاحت التظاهرات الشعبيّة العالم العربي بدءاً من تونس ومصر واليمن، هزأ الكثيرون ممّن فكّر حتّى باحتمال وصول موجة الاحتجاجات إلى سوريا، لأنها، ببساطة، سوريا الأسد. وحين قرّر حقوقيّون وباحثون توثيق ما أمكنهم من مستندات تُثبت ارتكاب نظام الأسد بأخطبوطه الأمني انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وقوانين الحرب، لم يخلُ الأمر من ردود متهكّمة ومشكِّكة بفائدة هذا العمل في ظلّ عدالة دوليّة شبه معطّلة ودولٍ تترقّب من تحت الطاولة فرصتها الذهبيّة لحجز مقعد لها في حفلة إعادة الإعمار. لكنّ الاحتجاجات حصلت بالفعل، وبكثافة، والتوثيق آخذٌ مجراه، وبانتظام.

محاكمات نورنبرغ التي نجم عنها سنة 1946 محاكمة 24 مسؤولاً ألمانيّاً نازيّاً، درّب فيما بعد زملاءٌ لهم عناصرَ وأجهزةً في القوّات المسلّحة السوريّة في عهد حافظ الأسد، ليست بالذكرى البعيدة. الصيغ والمبادئ وآليّات المحاكمة اختلفت طبعاً. أمّا علّة الوجود، فما زالت قائمة، ولازمة، ومُمكنة… ولو تُرجمت بعد حين.

المصدر: درج \ مايا العمّار- صحافية لبنانية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً