معتقلون يصفون جهنم تدمر.. “يوم أضحيتُ كلباً مسعوراً”

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ذاكرة الحرب واحتلال النظام السوري للبنان ما زالت مُثقلة بجراح لم تلتئم بعد، رغم خروجه العسكري من لبنان في أبريل/نيسان 2005.

ولعل أكثر الجراح عمقاً في تلك الذاكرة قضية مئات المعتقلين اللبنانيين في سجون النظام السوري، التي يلفها النسيان حيناً وتشتعل في الذاكرة أحياناً، لاسيما مع تحرير أسرى لبنانيين في دول أخرى بفضل جهود رسمية من السلطات اللبنانية، وآخرها إطلاق سراح نزار زكا، الذي أعاد فتح الجروح.

ولكي لا تبقى معاناة من “ابتسمت” لهم الحياة مجدداً ليخرجوا إلى الحرية مجرد روايات وقصص تتحدّث عن إجرام النظام السوري، قرر 24 معتقلاً محرراً – تراوحت مدة اعتقالهم بين 5 و14 سنة (استطاعوا الخروج من السجن إثر عفوٍ عام صدر بعد وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد، من قِبَل الرئيس بشار الأسد في العام 2000) – كسر أسوار الصمت الذي كبلهم بعد خروجهم من السجن، ليرووا اللحظات القاسية التي عاشوها وراء قضبان السجون السورية فجسّدوا معاناتهم في فيلم سينمائي بعنوان “تدمر” الذي عُرض منذ أيام في المعهد الفرنسي في بيروت، وهو مقسّم إلى جزأين، واحد وثائقي وآخر تمثيلي، يتضمّن مقابلات مع معتقلين لبنانيين سابقين في السجون السورية.

ويوثّق المخرجان مونيكا بورغمان ولقمان سليم الرعب في سجن “تدمر” الذي اشتهر بسمعته السيّئة، من خلال إعادة بناء سجن يُشبهه في مدرسة مهجورة في بيروت، وتوزع المعتقلون المحررون أدوار الضحايا، كذلك الجلادون الذين أهانوهم وعذبوهم.

جهنم “تدمر”.. يوم أضحيتُ كلباً مسعوراً
يصف رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية والمعتقل السابق في سجني تدمر وصيدنايا، علي أبو دهن، سجن تدمر بـ”جهنم” وهو جسّد رحلة اعتقاله من سجون فروع المخابرات السورية، حتى وصل إلى سجن تدمر في كتابه “عائد من جهنم… ذكريات من تدمر وأخواته”.

ومع أنه يتذكّر بالتفصيل كل يوم عذاب عاشه في “جهنم” تدمر، إلا أنه روى لـ”العربية.نت” حادثة تأتي مباشرةً على ذاكرته عندما يتم الحديث عن سجن “تدمر”.

وقال “في أحد الأيام “عزمني” اللواء الذي كان يُحقق معي إلى مكتبه داخل السجن، فتم الإتيان بي مكبّل اليدين ومعصوم العينين، فأبلغني أنه سيتم الإفراج عني بعدما كنت قد أمضيت سبعة أشهر في السجن. وطلب بعد ذلك من أحد الحرّاس أن يأتوا لي بإبريق من الشاي بعد أن يفكّوا يدي وينزعوا المنديل عن عيني. فتركوني وحدي في المكتب لأشرب الشاي “بحرية”، كما قال لي اللواء.

ومن كثرة عطشي وفقدان جسمي للسكر منذ أشهر، شربت الإبريق كاملاً (نحو 12 كوباً)، إذ إن طعمه كان أشبه بـ”العسل”. وعندما انتهيت دخل الحرّاس مجدداً إلى المكتب ومعهم اللواء فطلب منهم تكبيل يدي مجدداً وعصم عيني، لكن المُفاجئ كان أن طلب منهم ربط عضوي التناسلي بخيط رفيع جداً وأعادوني إلى زنزانتي المُعتمة ومساحتها 90 سنتمتراً عرضاً وطولها 190 متراً. وبعد 40 دقيقة بدأ العذاب لعدم قدرتي على قضاء حاجتي، وأصبحت أصرخ وأصرخ وأضرب رأسي بالحائط وأرفع رجلي إلى فوق علّني أستطيع التبوّل، لكن عبثاً، وبدأت أصدر أصواتاً كالكلب المسعور.

وبقيت على هذه الحالة إلى أن “انهرت فناديت الحرّاس وقلت للواء “ابصم لك” على ما تريده منّي لكن خلّصني من عذابي، فطلب منّي التوقيع على أنني “عميل إسرائيلي” مقابل السماح لي بالتبوّل وهذا ما حصل”.

سجن تدمر

داعش وتدمير “تدمر”
أبو الدهن الذي تنقل في أكثر من سجن سوري، لتقف به معاناته في سجن تدمر في ريف مدينة حمص، حيث أمضى 5 سنوات قبل أن يخرج في العام 2000، أشار إلى “أن تنظيم “داعش” دمّر سجن “تدمر” منذ ثلاث سنوات بعد دخوله إلى المدينة ونهب آثارها بـ”التنسيق” مع النظام السوري.

وحين سيطر التنظيم على السجن كان خالياً تماماً ولم يكن فيه أي معتقل”.

كما أشار إلى “أن الفيلم يدقّ ناقوس الخطر إلى ما يحصل ولا يزال داخل السجون السورية، ومشاركتي في الفيلم لنقل معاناتي ومعاناة من تقاسمت وإياهم العذاب الجسدي والنفسي”.

628 معتقلاً
ويقبع في سجون النظام السوري قرابة الـ 628 معتقلاً أسماؤهم موثّقة لدى أجهزة رسمية في الدولة غير أن النظام السوري لا يعترف بوجودهم.

وعادت قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية إلى الواجهة مع تحرير المعتقل اللبناني في سجون إيران نزار زكا بمبادرة من رئيس الجمهورية ميشال عون كُلّف فيها المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم الذي أكد إثر نجاح عملية تحرير زكا بأننا لن نترك لبنانياً يحمل الهوية اللبنانية معتقلاً في سجون دول أخرى، وهو ما أعطى أملاً لدى أهالي المعتقلين في السجون السورية بإمكانية تحريك ملف أبنائهم مجدداً.

وتعليقاً على ذلك، قال أبو دهن “يحز بقلبنا ألا يلتفت المسؤولون اللبنانيون إلى ملف المعتقلين في سوريا. فأين حسّهم الوطني تجاه 628 معتقلاً؟ نحن ناشدناهم في أكثر من مرّة لكن عبثاً”.
حكاية أخرى تتعلّق بالسجن رواها ريمون دوبين، المشارك أيضاً في فيلم “تدمر” لـ”العربية.نت”، واصفاً إيّاه أيضاً بـ”جهنم”، إذ تعرّضنا لأشع أنواع العذابات النفسية والجسدية التي تعكس وحشية النظام السوري”.

“سلخوا جلد ظهره”
ومن جملة العذابات التي كان يتذوقها يومياً، يتذكّر ريمون دوبين صراخ أحد رفاق الاعتقال من مدينة طرابلس، عندما كان يتعرّض لتعذيب وحشي. فقد سلخوا جلد ظهره وكسروا يديه ورجليه وحاولنا من خلال الطعام الذي يُقدّم لنا كاللبن مثلاً تضميد بعض جراحه، وهو توفي بعد أشهر قليلة من خروجه من السجن نتيجة إصابته بأمراض عديدة بسبب كثرة التعذيب”.

وقضى دوبين في سجن تدمر 5 سنوات من أصل 13 سنة تنقّل فيها بين سجون النظام السوري. وهو من القرى السبع اللبنانية جنوب لبنان) التي لم يحسم أمر موقعها هل بلبنان أم بفلسطين. وحصل والداه على الجنسية اللبنانية في العام 1994 إلا أنه حُرم منها لأنه كان معتقلاً بوقتها في سوريا. ولا يزال يناضل حتى الآن من أجل الحصول على الجنسية اللبنانية.

وأسف دوبين “لعدم تعاطي الدولة اللبنانية بمسؤولية مع هذه القضية الإنسانية، في حين أنها صبّت جل اهتمامها في قضايا مماثلة واستطاعت تحرير معتقلين في سجون دول عدة حتى العدوة منها”.

عرض في أكثر من 11 دولة
يذكر أن الفيلم جال على صالات عرض عدة في أكثر من 11 دولة ونال جوائز عالمية من سويسرا، ألمانيا، الأرجنتين وتونس، وتم عرضه في بيروت ضمن فاعليات مهرجانات دولية خاصة بحقوق الإنسان وينتظر القيّمون عليه أن يُعرض في الصالات اللبنانية بعد موافقة الأمن العام.

وأكد مخرج فيلم “تدمر” لقمان سليم المؤسّس لمنظمة (أمم)، وهي منظمةٌ إنسانية تعمل على موضوع الذاكرة وأرشيف الحرب اللبنانيّة لـ”العربية.نت” “أننا نسعى جاهدين لعرضه في الصالات اللبنانية مثله مثل الأفلام الأخرى”. ولفت إلى “أن الفيلم يُجسّد معاناة لبنانيين وغير لبنانيين في سجن يُعد من الأسوأ”.

“الحاكم على القرار السياسي اللبناني شريك للنظام السوري”
وقال “من المُفترض أن تولي الدولة اللبنانية الأهمية ذاتها لكل مُعتقل في سجن دولة أخرى، لكن مسألة المعتقلين اللبنانيين ومن اللاجئين الفلسطينيين في السجون السورية سياسية تتعلّق بالعلاقات بين الدولتين اللبنانية والسورية”. وآسف “لأن الموضوع الحقوقي في مكان والموضوع السياسي في مكان آخر، فعندما تحسّنت العلاقات بين الحكومتين رأينا بداية تفاوض حول هذه المسألة بصرف النظر عن طبيعة هذا التفاوض ومدى جدّيته، لكن هذا الملف يبقى سياسياً بالدرجة الأولى، والحاكم على القرار السياسي اللبناني يعتبر نفسه شريكاً للنظام السوري، لذلك لا نتوقّع مما يعتبر نفسه شريكاً لذاك النظام أن يُطلب بكشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية”.

ويستعد المعتقلون المحررون المشاركون في فيلم “تدمر” إلى السفر إلى ألمانيا الأربعاء لعرض مسرحية تتمحوّر حول معاناتهم وعذاباتهم في السجون السورية.

العربية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً