الجمعة 11 ربيع الأول 1444 ﻫ - 7 أكتوبر 2022 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

آثار العيش في الفضاء... هذا ما يحدث لأجسام الرواد

منذ أن اقتحم الإنسان عالم الفضاء خارج الغلاف الجوي لكوكب الأرض، والبحث عن مزيد من الاكتشافات والتجارب لا يزال مستمراً، بداية من زيارة القمر كأقرب جسم فضائي للأرض إلى استكشاف فرص العيش على كواكب أخرى مثل المريخ، ومحاولات إرسال المسابير الفضائية إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها.

ولكن ما قد لا يعرفه البعض أن من بين أبرز التحديات التي واجهت الإنسان، البقاء خارج المجال الأرضي، وفي بيئة لا تناسب قدرات جسده المحدودة، ورغم أن هناك مجموعة من رواد الفضاء قد عبروا بالفعل الغلاف الجوي الأرض مثل المجموعة التي تعيش على متن محطة الفضاء الدولية، وأخرى غادرت إلى القمر وعادت مرة أخرى، فإن العلماء لم يهملوا هذا الاختلاف بين الطبيعيتين، وخلصت دراساتهم إلى أن هناك بالفعل تأثيرات جسدية بارزة، وفي تقريرنا التالي نتناول أبرز آثار العيش في الفضاء.

آثار العيش في الفضاء: تأثر الدورة الدموية
تختلف الآثار التي يتعرض لها الجسم البشري بحسب فترات البقاء خارج نظام الجاذبية الأرضية، ومن بين أبرز الآثار قريبة المدى تأثر الدورة الدموية، فدورة القلب والأوعية الدموية cardiovascular system مهمتها الأساسية ضخ الدم إلى كامل الجسم والمخ ومنعه من التموضع في الجزء الأسفل من الإنسان، خاصةً الساقين، بفعل الجاذبية الأرضية. ولكن البقاء خارج الجاذبية الأرضية يجعل نظام الدورة الدموية القلبية يعمل بكفاءة أقل، وهو ما يسبب ارتجاعاً أو تغيراً في آلية عمله، وهو ما يسبب لرواد الفضاء أعراضاً مستمرة مثل انتفاخ الوجه واحتقان الأنف، والصداع المستمر، بخلاف فقدان كثير من كتلة عضلات الساقين، مما يؤدي إلى نحافة الساقين بشكل ملحوظ، كما يعاني رواد الفضاء بنسبة 40% مما يعرف باسم “غثيان الفضاء” بسبب هذه التغيرات الحادة في الدورة الدموية.

يفقد رواد الفضاء كتلة عظامهم!
انعدام الجاذبية قد يبدو مشهداً في حلم، لكن الأمر بالنسبة لرواد الفضاء يتحول إلى كابوس؛ إذ إنه وبحسب دراسة حديثة نُشرت عام 2022 في موقع Scientific Reports، فإن البقاء بضعة أشهر قليلة في الفضاء خارج مجال الجاذبية يغير تركيبة عظام رواد الفضاء، ويتسبب في انخفاض كثافتها بشكل يوازي الانخفاض الذي يعانيه البشر خلال 20 عاماً أو أكثر من العيش في جاذبية الأرض العادية، كما أن الأبرز في الدراسة أنه بعد سنة واحدة من العيش في الفضاء، لا يتمكن رواد الفضاء من استعادة كتلة العظام التي فقدوها بشكل نهائي.

في عام 2007 نُشرت دراسة علمية تناولت مدى الارتباط بين كتلة العظام والسفر عبر الفضاء لفترات زمنية طويلة، فبحسب دراسة أجرتها وكالة ناسا في عام 2007، فإن نسبة فقدان كتلة العظام لدى رواد الفضاء خلال مدة 9 أشهر تقريباً من العيش في الفضاء تتراوح ما بين 2 و9% من كامل كتلة العظام قبل السفر للفضاء؛ كما أن دراسة نُشرت عام 2020 في موقع الدوريات العلمية الأكاديمية Plos One Journal، تناولت محاكاة افتراضية لتأثير العيش على المريخ لمدة 3 سنوات، جاءت النتائج فيها بأن فرصة إصابة رواد الفضاء بهشاشة العظام تصل إلى 33% بجانب الفقدان المستمر لكتلة وتركيبة العظام؛ وهو ما قد يؤدى إلى الإصابة بآلام في الظهر وكسور العظام وانكماش طول العظام نفسها.

التوأمان لم يعودا متطابقين
نُشرت عام 2017 نتائج دراسة قامت بها وكالة ناسا على توأمين متطابقين من رواد الفضاء، لدراسة أثر العيش في الفضاء على الجينات المتطابقة، وصُممت التجربة بحيث أن يبقى أحد التوأمين على الأرض في ظروف عادية تماماً لمدة عام كامل، بينما الآخر قضى العام على متن محطة الفضاء الدولية، وبعد أن عاد الشقيق الذي قضى الوقت على متن محطة الفضاء الدولية في ظروف انعدام الجاذبية قام الفريق ببدء عمليات واسعة وشاملة لقياس الوظائف الحيوية في جسم الأخوين تهيئة للمقارنة.

جاءت النتائج الأولية بأن الآثار التى عانى منها الأخ على محطة الفضاء الدولية أغلبها متعلق بتغير كتلة العظام والعضلات وفقدان للوزن وبعض الأعراض المصاحبة لتغيير الدورة الدموية. ولكن بعد فترة من الوقت استطاع التوأم الذي قضى الوقت في الفضاء أن يستشفى من أغلب الآثار، باستثناء تغير خفيف ونهائي في كتلة العظام، ولكن المدهش في الأمر عندما قام الباحثون بدراسة خلاياه الجذعية، وبنية جيناته، جاءت النتيجة بأن دراسة الحمض النووي لمسافر الفضاء قد أصبحت أقل تدهوراً؛ أي إنه بعكس ما كان متوقعاً لم يعانِ مسافر الفضاء آثار شيخوخة؛ بل آثار تغيرات تشبه العودة لفترة شباب سابقة، وهو الأمر الذي يتعلق بمركّب في الحمض النووي البشري يسمى “التيلومير” يقصر حجمه عند الشيخوخة، ولكن “تيلوميرات” مسافر الفضاء ازداد طولها وبدا كمن صَغُر عمره.

بخلاف هذا التغير الجيني كان هناك تغير ملحوظ في جسد التوأم المسافر للفضاء، وتحديداً في نشاط الجينات التي تحولت إلى حالة “نشطة” شبه تلك التي يمر بها الإنسان عند التعرض للإشعاع أو للأمراض المختلفة مقارنة بجينات شقيقه الذي بقي على الأرض وكانت جيناته في حالة خمول.

هذه التغيرات الجينية أثبتت أن هناك اختلافاً بعد رحلة الفضاء بين جينات التوأمين، وربما تكون حالة التوأمين واحدة فقط، وقد لا تكون الدليلَ الوحيد على التغيرات الواسعة من أثر السفر أو العيش في الفضاء، ولا يزال العلماء في حاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم الصورة بشكل أوضح.