في السعودية: «القَطّة» تخفيف عبء أم إحراج مادي؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

«القَطّة» كلمة وإن كانت محلية وتخص المجتمع السعودي، إلا أنها وكثقافة منتشرة في أنحاء العالم بمصطلحات مختلفة. ويتشارك «القَطّة» غالباً الاصحاب والأهل والزملاء في العمل، والتي تكون وسط تصريح جريء وعلني يحث على التعاون المادي لمنفعة مشتركة بين أعضاء «القَطّة»، وقد يختلف البعض في كونها تخفيف عبء أو إحراجاً «ثقيل الدم» لاختبار «الكرم» و«النخوة» على حساب مستلزمات الفرد الشخصية وميوله. ولتحديد موقع «القَطّة» من الإعراب في جملة المجتمع السعودي، أجرت «لها» هذا التحقيق.

تذرعت بالحِمية للهروب
من «قَطّة» الغداء
فكرة «القَطّة» غدَت مزعجة بالنسبة الى أماني أحمد، 32 عاماً، والتي أصبحت تتجاهل سمعاها، فزميلاتها في العمل أغلبهن غير متزوجات، ولا يتحمّلن مسؤوليات أو لديهن التزامات مادية، ولذلك اعتدن التشارك في «قَطّة الغداء» التي تضطرهن لدفع مئات الريالات. ومن دون أن تدرك، كانت أماني تجد نفسها في آخر الشهر تقترض المال لأن راتبها لم يعد يكفيها لشراء مستلزماتها الشخصية، لذا قررت الانسحاب بهدوء من جماعة «القَطّة»، متذرّعةً بـ«الدايت» وبأن لها وجبتها المُعدَّة في المنزل.

«القَطّة» و«الفزعة»
وجهان لعملة واحدة
أما بالنسبة الى مفهوم «القَطّة» عند أميرة أسامة، 45 عاماً، فهو يرادف كلمة «الفزعة» و«النخوة»، فلا تستطيع رد هذه الكلمة إلا بإخراج حافظة نقودها، وتقديم ما توافر فيها، سواء كانت «القَطّة» لجلب هدية، أو لمساعدة أحد أفراد عائلتها، أو حتى مجرد نُزهة عائلية. لا تتوانى أميرة عن رد «القَطّة»، وبدون حساب تجد نفسها في آخر المطاف خاوية الجيوب، من دون أن تستوعب أين ذهبت نقودها وكيف!

في «القَطّة» يختلط
الحابل بالنابل

وتوافقها الرأي السيدة سارة حميدان، 47 عاماً، إذ ترى في مصطلح «القَطّة» إحراجاً متعمداً، لاستغلال طيبة البعض ومقدرتهم المادية. ومن خلال تجربتها، كانت سارة ترحب بفكرة «القَطّة»، وتحديداً عندما يتم التشارك لشراء هدية ثمينة للوالدة، أو لمساعدة أحد الإخوة أو الأخوات الذين يمرون بضائقة مالية. وكونها الأفضل من الناحية المادية يُحَتّم عليها أحياناً دفع مبلغ أكبر من الباقين، لكن هذا لا يشكل مشكلة بالنسبة اليها، بقدر ما يُحزنها عدم تقدير الآخرين لما قدمته، ناهيك عن أن البعض يستخدمون «القَطّة» وفقاً لمصالحهم الشخصية، ولتفادي الخلافات، وخصوصاً مع أفراد العائلة، تضطر سارة الى مجاراة «القَطّة».

الدنيا ما زالت بألف خير
وعن «القَطّة» تحكي المُدرّسة صالحة عبدالله، 39 عاماً عن تجربتها، باعتبار «القَطّة» جزءاً من التكافل بين زميلات المدرسة الواحدة، فأخيراً بادرت إحدى المعلمات الى فرض «قطة» لمساعدة «فرّاشة» المدرسة المتقدّمة في السن، لكونها تحتاج الى المال لإجراء جراحة مُكلفة، فوضعت كل من المعلمات مبلغاً في ظرف، وقدمنه بشكل جماعي وسط احتفال لمفاجأة تلك السيدة البسيطة، والتي كانت فرحتها عارمة بالمبلغ، وترى صالحة أن هذه المبادرة عزّزت الألفة والمودة بين الزميلات، وأكدت للجميع أن الدنيا ما زالت بألف خير.

العلاقات الرسمية
تحتّم إلغاء «القَطّة»
في المقابل، ترى عنود عبدالعزيز، 34 عاماً، أن «القَطّة» مصدر للخلافات في العائلة، فبعدما كانت «القَطّة» تهدف الى التعاون والتكافل والمساعدة، أصبحت اليوم تقوم على الاستغلال والتعالي والتفضُّل على الآخرين. وتقول عنود: «لم تعد النفوس صافية نقية كالسابق، فقد تُفسر نخوتك أحياناً بأنها تعالٍ أو شماتة بمن يتعرض لمصيبة، لذلك أفضّل أن تكون العلاقات والمساعدات والهدايا، حتى بين أفراد العائلة، رسمية جداً».

«القَطّة» حل لإرضاء الجميع
لكن حسان الدباغ، 42 عاماً، يخالفها الرأي إذ يؤكد أن «القَطّة» هي الأساس في التعامل بين أفراد العائلة والأصحاب وزملاء العمل، فعند التخطيط لأي نشاط ترفيهي أو تقديم هدية لأحد أفراد العائلة، يتم الإعلان عن «قطة» جماعية، يشارك فيها الجميع كلٌ حسب استطاعته، وهذا ما يخفف العبء والمشقة، فبدلاً من أن يتحمل شخص واحد كل التكاليف، يتقاسم أفراد العائلة أو الزملاء فاتورة «القَطّة» في ما بينهم، وهذا حل يرضي الجميع.

العلاقات الاجتماعية
«سداد ودين»
وفي تفسير لمصطلح «القَطّة»، تشير المستشارة التربوية والأسرية والنفسية في «مكتب الأمل للاستشارات» الدكتورة نادية النصير، الى أن «القَطّة» تعني بالعامية الشق أو الجزء المقتطع من الشيء الكُلي، فهي مشتقة من مصدر «قَطّ»، والتي تعني القطع باللغة العربية الفصحى. ويستخدم العامة هذا المصطلح لاقتطاع جزء من مال الشخص الخاص والمشاركة به مع الأهل أو الأصدقاء لمصلحة مشتركة. وتعتقد النصير أن إيجابيات «القَطّة» تكمن في كونها تلائم الطبيعة البشرية في المشاركة. فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته وهو بحاجة الى الشعور بالحب والانتماء والتقدير ممن حوله. فالعلاقات الاجتماعية بكل بساطة تمنح الإنسان الشعور بالسعادة والاطمئنان والأمان، ومن هذا المنطلق نرى أن التشارك المادي مفيد جداً في أي مجتمع، لكونه يؤصّل العلاقات ويزيد من ترابطها. وفي مجتمعاتنا العربية نرى أن التشارك المادي هو تعبير عن المساندة، خصوصاً في ظل الأوضاع الراهنة والتدهور الاقتصادي الذي تأثر به الجميع، بالإضافة الى الكثير من المتغيرات التي تقلب حياة الفرد فجأة وبدون مقدمات. ففي هذه الأيام، لا الصحة ولا الزواج ولا العمل مضمونة دائماً، لذا من الضروري أن ينسج الإنسان شبكة من العلاقات الاجتماعية، لتحميه من الشعور بالوحدة، فمهما كانت المشاركة المادية بسيطة إلا أنها تحافظ على العلاقات.

الشخص الكريم والخجول قد يدفع فاتورة «القَطّة» على حساب المجاملة
وتؤكد النصير أن لا بد من الحذر، مهما كانت جوانب «القَطّة» مفيدة، فالشخص الكريم والمعطاء أو الخجول قد يصبح موضع استغلال ممن حوله، من خلال تحميله أكبر نسبة في «القَطّة»، وذلك بدواعي الاحتفاظ بمكانته ومنزلته أمام الأهل والأصدقاء. فالمجاملة والمشاركة من المبادئ التي تربّينا عليها، ولا بد من تربية الجيل الجديد عليها أيضاً، من خلال تشجيعهم منذ الصغر على تقديم جزء من مصروفهم الشخصي للفقراء والمحتاجين، وكذلك لا بد من تعزيز مبدأ المشاركة بين الإخوة، فـ«القَطّة» تفوق إيجابياتها سلبياتها، وتحديداً إذا تمت وفق ضوابط أساسها الاتفاق والابتعاد عن المجاملة، كما أن من الضروري أن يعرف كل فرد قدراته المادية وألا يتصرف بتهور على حساب المجاملة. فالتوازن ووضع الحدود بدون خجل مطلوبان، لنستطيع تحقيق أهدافنا الاجتماعية، وفي الوقت ذاته نضمن عدم حصول هدر أو استغلال مادي.

إتيكيت «القَطّة»
وأخيراً، لا بد من ضوابط ومعايير تحكم «القَطّة». هذا ما أكدته خبيرة فن الإتيكيت ومؤسِّسة «مركز السلوك الراقي» في جدّة الأستاذة أميرة الصايغ، إذ ترى أن هناك الكثير من الجوانب المُحرجة وغير المحببة في «القَطّة»، بحيث لا يراعي أصحابها ظروف أحد الأطراف وميوله، فيتصرفون بأنانية لدعم مصالحهم الخاصة. ولذلك تقول الصايغ إن من الضروري قبل الاتفاق على أي «قَطّة»، التفكير في أحوال جميع الأفراد المشاركين، سواء في ما يتعلق بالوقت أو الحالة المادية، وما إذا كانت المنفعة متساوية، ومن ثم يُفضل أن يكون الإعلان عن «القَطّة» بشكل فردي، تفادياً لإحراج أي طرف من الأطراف، وإجباره على المجاملة من دون رغبة. كما يجب عدم تحديد مبلغ معين، إذا كان الهدف من جمعه جلب هدية لزميل أو قريب، وفرض رأي صاحب «القَطّة» وحرمان الباقين من حرية اختيار نوع الهدية أو المبلغ الذي سيدفعونه. أما بالنسبة الى الرحلات العائلية والمجالات الترفيهية من مطاعم ومقاهٍ، فلا بد من العدل من خلال احتساب عدد أفراد العائلة المشاركين في «القَطّة»، لئلا يُظلم أحد منهم. كما يجب مراعاة حرية الشخص واحترام رغبته في حال رفض المشاركة، فرفض المشاركة لا يعني «البخل» أو انعدام الود والألفة، بل على العكس تماماً، فمن الممكن أن يكون السبب هو الالتزام المادي، أو عدم توافر المبلغ، أو أن فكرة «القَطّة» غير مناسبة، وهذا الأمر يجب ألا يجعل الشخص محرجاً من البوح به.

«القَطّة» أحد جوانب تكافل المجتمع السعودي
ثقافة «القَطّة» هي أحد جوانب التكافل في المجتمع السعودي. ذلك ما يؤكده الدكتور أبو بكر باقادر، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة الملك عبدالعزيز في جدّة، حيث إن ديننا الإسلامي يحثُ على البذل والعطاء والتكافل والإنفاق ومساعدة المحتاج. وفي المصطلح الفقهي والقانوني، يُسمّى «العاقلة» والتي هي أساس التشارك المادي بين الأقارب وأفراد العائلة، بفرض مبالغ صغيرة يساهم تجميعها في حل أزمة تعرض لها أحد أفراد العائلة، كما أنها توسعت في أهدافها فلم تعد تقتصر على الديون والهدايا، بل شملت أيضاً الأعباء الجنائية والقصاص، فتتيح التكافل والتعاون بين أفراد العائلة إذا تمت وفق معايير تحمي الأفراد من الاستغلال والادعاء. وفي كثير من العائلات، تجاوزت المسألة «القَطّة» لتصل الى تأسيس ما يُسمّى «صندوق العائلة»، الذي يهدف الى رفع مستوى تعليم أحدهم، أو علاج أحد الأقارب، وغيره من الأمثلة التي تؤكد تآلف المجتمع السعودي، والتي منها «الواسطة» و«الطنيب» و«الدخاله» و«الفزعة» و«الرفد»… فكل تلك مصطلحات جاءت استجابة لظروف تم تطويعها لخدمة المجتمع، وهي كباقي الأمور قد يسيء البعض استخدامها، وبالذات حين يتساهل أفراد العائلة في الماديات، كعدم رد الديون في ما بينهم، ومن هذا المنطلق يجب أن يكونوا على وفاق تام، لأن لكل منهم مستلزماته ومسؤولياته ووضعه الذي يجب ألا يتعرض للضرر في أي شكل من الأشكال.

«القَطّة» عُرف اجتماعي
يخلّصنا من الديون

لكن لا بد من نظرة اقتصادية الى «القَطّة» حيث يؤكد الدكتور حبيب الله محمد التركستاني، عضو هيئة التدريس في قسم ادارة الأعمال في جامعة الملك عبدالعزيز في جدّة، أن «القَطّة» المتعارف عليها محلياً هي وسيلة اقتصادية ناجعة للتكافل في ما بين الأسر والزملاء، لقضاء حاجات استهلاكية، وقد تخص فرداً من أفراد العائلة، أو يتشارك في منفعتها الجميع. ولكون «القَطّة» مبنية على التشارك بمبالغ مادية صغيرة، فهي لا يمكن أن تكون تمويلاً لمشروع استثماري أو اقتصادي، وإنما تنحصر فقط في إطار «حلّ أزمة» لزميل أو قريب. والجدير ذكره أن فوائدها الاقتصادية تقتصر على كونها تساعد الفرد في قضاء حاجاته من دون اللجوء الى الديون والقروض، واستخدام البطاقات الائتمانية، التي قد يؤدي تراكم مبالغها إلى مساءلات قانونية.

كتابة : عزيزة نوفل – (جدة)

Loading...
المصدر لها

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً