الأثنين 19 ذو القعدة 1445 ﻫ - 27 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

إيمانويل تود: نحن نشهد على سقوط الغرب نهائياً

المصدر : لوفيغارو
A A A
طباعة المقال

في كتابه “السقوط الأخير” المنشور عام 1976، تنبأ المؤرخ وعالم الأنثروبولوجيا إيمانويل تود بشكل صحيح بانهيار الاتحاد السوفياتي، وتأمل -كما تقول صحيفة لوفيغارو بداية مقابلة معه- أن يكون “تنبؤه” هذه المرة مخطئا، وذلك بتشخيصه هزيمة الغرب في كتابه الأخير.

وانطلقت المقابلة -التي لخصها الكسندر ديفيكيو- من سؤال عن سبب تنبؤ تود بهزيمة الغرب ولما تنتهي “الحرب العالمية الثالثة” التي قال قبل عام للصحيفة إنها بدأت، ليرد بأن الحرب لم تنته بعد، ولكن الغرب خرج من وهم النصر الأوكراني المحتمل، بعد فشل الهجوم المضاد هذا الصيف، وملاحظة عجز الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى عن توفير ما يكفي من الأسلحة لأوكرانيا، وبالتالي “سيوافقني الجميع الآن على ما قلت”.

وأوضح تود أن ملاحظته لهزيمة الغرب ترتكز على 3 عوامل، أولها النقص الصناعي في الولايات المتحدة مع الكشف عن الطبيعة الوهمية للناتج المحلي الإجمالي، وذلك بسبب عدم كفاية التدريب الهندسي وانحدار المستوى التعليمي منذ عام 1965.

وبشكل أكثر عمقا -كما يقول تود- فإن اختفاء البروتستانتية الأميركية هو العامل الثاني في سقوط الغرب، لأن صعود الغرب كان أساسه صعود العالم البروتستانتي إنجلترا والولايات المتحدة وألمانيا والدول الإسكندنافية.

وقد أنتجت البروتستانتية مستوىً تعليميا عاليا، ومحوا للأمية شاملا، لأنها تطلبت أن يكون كل مؤمن قادرا على قراءة الكتاب المقدس بنفسه، مع فردية وجماعية قوية، فأدى التقدم التعليمي وأخلاقيات العمل إلى تقدم اقتصادي وصناعي كبير، قبل أن تظهر أسوأ أشكال العنصرية في معاداة السود بالولايات المتحدة ومعاداة اليهود في ألمانيا، ليبدأ الانحدار الفكري، واختفاء أخلاقيات العمل والجشع الجماعي المسمى الليبرالية الجديدة، فيتحول الصعود إلى سقوط الغرب.

أما العامل الثالث وراء الهزيمة الغربية فهو تفضيل بقية العالم لروسيا التي اكتشفت حلفاء اقتصاديين سريين في كل مكان، وانطلقت القوة الناعمة الروسية المحافظة المناهضة لمجتمع المثليين عندما بدا أن روسيا كانت قادرة على تحمل الصدمة الاقتصادية، ليتضح أن حداثتنا الثقافية مجنونة تماما في نظر العالم الخارجي.

وعند السؤال: هل يمكن أن نتحدث عن حرب عالمية وهل انتصرت روسيا حقا؟ يرد الكاتب بأن الأميركيين سيبحثون عن الوضع الراهن الذي يسمح لهم بإخفاء هزيمتهم.

لكن الروس لن يقبلوا بذلك، فهم يدركون تفوقهم الصناعي والعسكري المباشر، كما يدركون ضعفهم الديموغرافي في المستقبل، وبالتالي فإن الرئيس فلاديمير بوتين يريد تحقيق أهدافه الحربية والحفاظ على إنجازات استقرار المجتمع الروسي، لكنه يعلم أن على الروس إسقاط أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي الآن، من دون منحهم أي توقف، حسب تود.

ويضيف أن رفض الغرب التفكير في الإستراتيجية الروسية، بمنطقها وأسبابها ونقاط قوتها وحدودها، أدى إلى العمى العام. وعلى المستوى العسكري، فإن الأسوأ قادم للأوكرانيين والغرب، لأن روسيا تريد استعادة 40% من الأراضي الأوكرانية، وتحييد النظام في كييف “ونحن ما زلنا نقول إن الجبهة تستقر”.

ومع ذلك، ليس من المستحيل أن العداء العام للغرب يبني ويعطي الأسلحة للنظام الروسي، من خلال إثارة الوطنية الموحدة، فقد سمحت العقوبات للنظام الروسي بإطلاق سياسة الحماية البديلة على نطاق واسع، وهي سياسة لم يكن من الممكن أن تفرض على الروس لولا العقوبات، ومن شأنها أن تمنح اقتصادهم ميزة كبيرة مقارنة باقتصاد الاتحاد الأوروبي.

ويقدم كتاب تود وصفا للاستقرار الروسي، ثم ينتقل غربا ويحلل لغز المجتمع الأوكراني المتحلل الذي وجد في الحرب معنى لحياته، ثم ينتقل إلى الطابع المتناقض للرهاب الجديد من روسيا لدى الديمقراطيات الشعبية، ثم إلى أزمة الاتحاد الأوروبي، وأخيرا أزمة الدول الأنجلوسكسونية والدول الإسكندنافية.

وهذه المسيرة باتجاه الغرب تأخذنا، وفقا للخبير، خطوة بخطوة نحو قلب عدم الاستقرار في العالم -كما يرى تود- إنها تغوص في ثقب أسود، بعد أن وصلت البروتستانتية الأنجلو أميركية إلى مرحلة الصفر في الدين، وأنتجت هذا الثقب الأسود، حيث يتحول الخوف من الفراغ في الولايات المتحدة إلى تأليه العدم، وإلى العدمية.

وعند سؤاله عن ربطه تراجع الغرب باختفاء الدين وخاصة البروتستانتية، ذكر الكاتب بأنه لم يقل ذلك كرأي شخصي، ولكنه باعتباره عالم اجتماع دينيا، وهو سعيد بامتلاكه مؤشرا دقيقا لتحديد موقع انتقال الدين من حالة الزومبي إلى حالة الصفر.

ويبرز هنا أن مفهوم حالة الدين الزومبي هو اختفاء الإيمان مع بقاء الأخلاق والقيم وقدرات العمل الجماعي الموروثة من الدين، وغالبا ما يترجم ذلك إلى لغة أيديولوجية، وطنية أو اشتراكية أو شيوعية.

لكن الدين، حسب قوله، يصل بداية الألفية الثالثة إلى حالة الصفر الذي فهمه بـ3 مؤشرات. ففي حالة الزومبي، لم يعد الناس يذهبون إلى القداس ولكنهم يعمدون أطفالهم، واختفاء المعمودية يعني الوصول إلى المرحلة الصفر. وفي مرحلة الزومبي، نقوم بدفن الموتى ونطيع رفض الكنيسة لحرق الجثث، أما اليوم فقد انتشر حرق الجثث، فتم الوصول إلى المرحلة صفر.

وأخيرا، كان للزواج المدني فترة الزومبي جميع خصائص الزواج الديني القديم، رجل وامرأة وأطفال يجب تعليمهم. أما مع زواج المثليين، الذي لا معنى له بالنسبة للدين، فإننا نترك حالة الزومبي، وبفضل قوانين الزواج للجميع، يمكننا تأريخ حالة الصفر الجديدة للدين.

ومع أن تود -كما يقول- نشأ على تقبل أن جميع الأذواق الجنسية طبيعية، فإن مشكلة التحويل شيء آخر بالنسبة له، وهو يطالب بحماية الأفراد المعنيين، مشيرا إلى أن تركيز الطبقات المتوسطة الغربية على مسألة الأقلية المتطرفة يطرح مسألة اجتماعية وتاريخية، ومؤكدا أن إنشاء أفق اجتماعي لفكرة أن الرجل يمكن أن يصبح امرأة حقا والمرأة رجلا شيء مستحيل بيولوجيا، وهو إنكار لواقع العالم، وهو تأكيد للزيف، حسب قوله.