استمع لاذاعتنا

اغتيال “البغدادي” يحرك انتقام “تنظيم الدولة”.. أين وجهته؟

بعد الإعلان عن مقتل زعيم “تنظيم الدولة” أبو بكر البغدادي، رفعت عدة دول حالة التأهب بينها فرنسا والفلبين، فيما كثفت تركيا ملاحقتها الأمنية لعناصر تشتبه بانتمائهم للتنظيم.

وكشفت السلطات التركية خلال اليومين الماضيين اعتقال نحو 50 شخصا موالين للتنظيم، في مناطق مختلفة من البلاد، بينهم ثلاثة خططوا لعملية انتقامية لمقتل “البغدادي” في إسطنبول.

وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ القوات الأمريكية الخاصة لعملية في سوريا أسفرت عن مقتل “البغدادي”، مساء السبت 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وأعرب عن شكره لدول روسيا وتركيا، إضافة لأكراد سوريا لتعاونهم في تنفيذ المهمة.

كما كشفت وزارة الدفاع العراقية بأن المعلومات التي حددت مكان اختباء زعيم تنظيم الدولة حصلت عليها الولايات المتحدة من جهاز الاستخبارات التابع لها.

ويأتي اغتيال البغدادي بالتزامن مع عملية “نبع السلام” التي تنفذها تركيا بالتعاون مع الجيش السوري المعارض شرق الفرات، لفرض منطقة آمنة خالية من “التنظيمات الإرهابية” على حد قولها.

ورافق العملية إعلان قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن فرار قرابة 785 أجنبيا من عوائل مقاتلي تنظيم الدولة، من مخيم عين عيسى قرب الرقة، كما أعلنت عن هروب خمسة من مقاتلي تنظيم الدولة من سجن في القامشلي شمال شرق سوريا، بعد قصف تركي لموقع قريب.

 

توقعات الانتقام

 

وعقب عملية الاغتيال، كتبت الأكاديمية الأمريكية جاسيكا ستيرن مقالا نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، وترجمته “عربي21″، قالت فيه إن “موت البغدادي، مهم جدا، فقد كان شخصية ملهمة ربما أكثر من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن”.

وأشارت ستيرن إلى أن “البغدادي استطاع تجنيد أفرادا سابقين في الجيش والمخابرات البعثيين، ما زاد من مقدرته على التمرد بشكل كبير، واستغل الحرب الأهلية السورية لإنشاء نموذج دولة، هي الأولى من نوعها في تاريخ الإرهاب الحديث، تمكنت من انتزاع مساحات من الأرض والسيطرة عليها، وتجميع مليارات الدولارات، وتنظيم قوة عسكرية كبيرة”.

ولفتت ستيرن إلى أن “تنظيم الدولة تحت زعامة البغدادي أصبح أغنى وأقوى حركة إرهابية في التاريخ الحديث”.

وأوضحت بأن “تنظيم الدولة عاد إلى جذوره الإرهابية”، مرجحة “إمكانية أن تلهمه حادثة الاغتيال لتنفيذ لهجمات في جميع أنحاء العالم، حيث أن قدرته على جذب المؤيدين لا زالت عالية”.

كما أوضحت صحيفة “الغارديان” البريطانية في مقال ترجمته “عربي21” بأن مقتل أبي بكر البغدادي ليس كافيا للقضاء على “تنظيم الدولة”.

ومن جانبه لفت الكاتب التركي، جاهد أرمغان ديلك، في مقال نشرته صحيفة “يني شاغ”، وترجمته “عربي21”  إلى أن “مقتل البغدادي في إدلب، قد يكون بداية لدمج تنظيمي الدولة والقاعدة، لإحيائها على الساحة تحت غطاء تنظيم إرهابي عالمي جديد”.

ونشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلتها هيلين واريل، وترجمته “عربي21″، قالت فيه إن “مقتل البغدادي هو أمر رمزي ولن يجعل تنظيمه أقل خطورة”.

وأشارت إلى دراسة أعدتها مؤسسة “راند” خلصت إلى أن “ضرب قادة الجماعات الإرهابية قد يترك آثارا سلبية، ويشجع على عمليات انتقامية”.

التنظيم وغياب “الزعيم”

ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية خالد الزعفراني “إمكانية سعي تنظيم الدولة للانتقام  لمقتل زعيمهم كعمل وقتي”.

وأوضح الزعفراني في حديثه لـ”عربي21″ بأن انتقام “تنظيم الدولة” يمكن أن يكون في بعض الدول التي شاركت في العملية أو ضد بعض المصالح الأمريكية.

وفي ذات الوقت، يرى الزعفراني بأن “مقتل البغدادي سيضعف تنظيم الدولة بصورة كبيرة، لأنه كان رمز وكان يمثل بالنسبة لهم ليس رئيس تنظيم ولكن خليفة”.

وأكد “مقتله سيكتسب دفعة مؤقتة للانتقام في بعض المناطق، وقد تكون خلال عدة أيام، ولكن التنظيم بصفة عامة سيضعف كثيرا وسيظهر ذلك في الشهور المقبلة”.

ويرجح الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية بأن “التشتت في عدد من الدول سيكون مصير التنظيم مما سيضعفه كثيرا”، ويقول: “عدد كبير من الذين سيتفرقون بين الدول سيسمعون آراء بخصوص التنظيم لم يكونوا يسمعونها في العراق وسوريا، ما سيؤدي إلى تركهم الفكر طواعية، بل سيكونون حربا على التنظيم”.

ومستبعدا إعادة التنظيم تشكيل نفسه بصورة أقوى، قال “سنة التاريخ بأن هذه التنظيمات تظهر كل فترة ثم تنتهي، وداعش ليس أول تنظيم تكفيري يظهر في تاريخ الأمة الإسلامية”.

وأضاف: “الأفكار المتشددة غير قابلة للعيش أو التفاعل معها من قبل المحيطين بها من السكان المسلمين، هي أفكار انعزالية وأفكار متناقضة قابلة للانشطار والانشقاق، وأتوقع انقسام التنظيم لأكثر من تنظيم متناحر متأثرا بحادثة الاغتيال وغياب الزعيم”.

وأشار إلى أن “ردود التنظيم على عملية الاغتيال لن تكون اختيارية وستحكمها إمكانيات تنظيم الدولة، إذا كان متواجد وقوي في دول أوروبية هناك، أو قوي في دول عربية سيرد فيها، وإذا أتاحت إمكاناته استهداف مصالح أمريكية فسيفعل، وفق منطق استغلال القوة وأماكن الضعف”.

التنظيم لن يتأثر

ومن جهة مقابلة، يعتقد الخبير في شؤون الجماعات الجهادية حسن أبو هنية بأن “الاغتيال نجاح تكتيكي ونصر رمزي للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، لكنه لا يغير من الواقع شيئا”.

وقال أبو هنية في حديثه لـ”عربي21″ إن “تنظيم الدولة هو تنظيم قوي ومتماسك ويعمل في بلدان عديدة، حيث يمتلك 12 ولاية خارجية”.

وأوضح: “التنظيم أعاد هيكله بشكل واضح، وغير خطته من حروب السيطرة المكانية الكلاسيكية إلى حرب العصابات وتكتيكات الاستنزاف”.

وأضاف “التنظيم يعمل الآن كمنظمة لا مركزية عبر مجاميع وخلايا منتشرة، وحسب التقديرات الأمريكية هناك 18 ألف مقاتل في سوريا والعراق، وهناك 10 آلاف معتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية قد يفلتوا من السجون، إضافة إلى المتواجدين في الولايات الأخرى”.

ويرى بأن “التنظيم لديه خطة أعلنها البغدادي في آخر ظهور إعلامي له، حيث تبنى حروب الاستنزاف وتكتيكات حرب المدن، وسيبقى في هذا التكتيك”، مرجحا “قد تحدث بعض الهجمات الانتقامية سواء من خلايا نائمة أو مقاتلون منفردون، وبالتالي لن يتخلى التنظيم عن تكتيكه الأساسي بحرب الاستنزاف في انتظار ظروف أخرى”.

ويعتبر أن غياب البغدادي عن المشهد هو إسدال الستارة عن حقبة وانتظار حقبة أخرى، مضيفا “التنظيم خسر سابقا قياداته الزرقاوي ثم أبو عمر البغدادي والآن خسر أبو بكر البغدادي وستأتي شخصية أخرى، يجب أن يفهم الجميع الهيكل التنظيمي نفسه يعمل ولا شيء تغير”.

ويوضح بأن “التنظيم يتصاعد بصورة غير مسبوقة في غرب إفريقيا، وفي خراسان وفي أفغانستان بصورة لافتة، وفي جنوب شرق آسيا في الصحراء والساحل، الولايات التي أعلن عنها البغدادي في نيسان/أبريل العام الماضي تنشط بشكل كبير، وتنفذ هجمات كبيرة. أما في العراق وسوريا فتنفذ هجمات صغيرة ضمن حرب الاستنزاف، ومنذ 2017 حتى الآن نفذ التنظيم آلاف الهجمات وصلت إلى 3500 هجمة صغيرة”.

ونظرا لأن البغدادي أعاد الهيكل التنظيمي ليصبح كمنظمة، فإنه وفق أبو هنية “رسخ إستراتيجية إسقاط المدن مؤقتا ثم الانسحاب منها، وهي المرحلة الحالية التي تؤكد عدم فرض سيطرة مكانية كاملة”.

وأشار إلى أن “التنظيم سيركز في انتقامه بالرد على مصالح الولايات المتحدة والدول التي تعاونت معها في عملية الاغتيال ومنها قوات سوريا الديمقراطية”.

وختم “التنظيم يركز حاليا على منطقة شرق الفرات التي تشهد صراعا جيوسياسي”، معتبرا بأنه “لا يتحرك عشوائيا بدون خطة فهو يمتلك برنامجا استراتيجيا”.