السياسة الخارجية الأميركية بين التحفظ والهجوم

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أثار تعيين الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحافظ المتشدد جون بولتون مستشارا جديدا للأمن القومي خلفا للجنرال المعتدل هربرت ماكماستر المخاوف باحتمال اتجاه الولايات المتحدة الأميركية للحرب مع إيران. جاء ذلك بعد نحو أسبوعين فقط على إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون وتعيين مايك بومبيو الذي يعتبر من صقور السياسة الخارجية.

ويُعرف عن كل من بولتون وبومبيو موقفهما المتشدد تجاه طهران والمتحمس لطرح حلول سريعة وفعالة على الطاولة بدلا من ترحيل المشاكل العالقة للمستقبل كما فعلت إدارة باراك أوباما. ووصفت شخصيات بارزة في أروقة السياسة الأميركية بولتون على نحو خاص بأنه “خطير” و“مندفع” وميال إلى اعتبار الدبلوماسية عديمة الجدوى في حال لم يسبقها استخدام القوة العسكرية.

يمكن تلمس تلك المواصفات من خلال خطاب ملتهب ألقاه بولتون العام الماضي أمام مؤتمر لمعارضين إيرانيين توعد فيه النظام الإيراني بالسقوط قبل أن يتسنى له الاحتفال بذكرى مرور أربعة عقود على الثورة الإيرانية والتي تأتي في العام القادم 2019.

ما يزيد المخاوف هو حديث دونالد ترامب عن أن سبب التعديلات في إدارته يعود إلى خلافه مع ماكماستر وتيلرسون حول الاتفاق النووي مع إيران. وعرف عن الرجلين عدم رغبتهما في إلغاء الاتفاق النووي دون وجود استراتيجية بديلة. كما يتخوفان من أن تكون تلك الاستراتيجية هي الحرب مع كل ما تحمله من دمار ومفاجآت.

ويعتبر تجنب الحرب أحد أهم أسباب تمسك الدول الأوروبية والرئيس السابق باراك أوباما بالاتفاق النووي، وخصوصا أن الأخير كان قد بنى سياسته الخارجية على تجنب المزيد من الحروب وسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان. كما نجح الاتفاق في تجميد تطوير برنامج إيران النووي الذي كان يسير بوتيرة سريعة. وقد كان هذا الأمر يشكل أولوية لدى الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ العام 2013 حتى نجح في إتمامه.

ولكن نجاح الاتفاق النووي في تجنب الحرب وتجميد البرنامج النووي لم يتطرق إلى جذور الخلاف الأميركي مع إيران، كما يجادل الرافضون للاتفاق؛ إذ واصلت إيران تطوير قدراتها العسكرية ومنها النووية، واستخدمت تلك القدرات في دعم جيش جرار يتألف من الحرس الثوري المدعوم بالميليشيات غير النظامية التي جندتها على أساس طائفي من أفغانستان والعراق لتنفيذ سياسة توسعية نجحت فيها إلى حد كبير.

قيدت الرغبة الشديدة في التوصل إلى اتفاق سلمي على البرنامج النووي الإيراني الإدارة الأميركية ومنعتها من الدخول في صدامات مع طهران. يرى البعض أن إلغاء الضربة العسكرية الأميركية للنظام السوري في صيف العام 2013 كان، في أحد جوانبه، بسبب تركيز الإدارة الأميركية على المفاوضات ولتجنب عرقلتها. كان تخلي الإدارة الأميركية عن تلك الضربة العسكرية نقطة تحول في الملف السوري، حيث تبعها تصعيد طهران وميليشياتها لدورهما العسكري في سوريا والعراق وهو ما نتج عنه نفوذ عميق تصعب اليوم محاصرته فضلا عن صعوبة إنهائه.

كما لم يقدّم الاتفاق النووي حلا للمستقبل فبعد عشر سنوات ومن يوم توقيع الاتفاق ستكون إيران في حل جديد من التزاماتها. هكذا قام أوباما بتأجيل النزاع مع إيران للمستقبل ويبدو أن هنالك في الإدارة الأميركية من يرى أن معالجة ملف إيران النووي وتطور قدراتها العسكرية وتوسع نفوذها يجب أن يبدأ اليوم.

وإذا كان السبب الرئيسي لعدم تفضيل واشنطن لسياسة المواجهة مع طهران في عهد باراك أوباما هو رغبتها في الابتعاد عن الصراعات وتجنب التورط العسكري في المنطقة، فإن الواقع تغير كثيرا منذ ذلك الوقت. لقد باتت الولايات المتحدة اليوم لاعبا رئيسيا في سوريا وانتهى الجدل حول تدخلها العسكري من عدمه. تطورت المهمة الأميركية بصورة تدريجية وهادئة ومباغتة حتى وجدها العالم متدخلة عسكريا في سوريا وتسيطر مع قوات حليفة لها على مساحة تقارب ثلاثة أضعاف مساحة لبنان. في العراق أيضاً تطور التواجد العسكري والنفوذ الأميركي وأعلنت الولايات المتحدة عدم رغبتها في الانسحاب.

ولكن التموضع العسكري للولايات المتحدة في تلك المناطق غير مستدام وتنخره العديد من نقاط الضعف وهو ما يضعها على مفترق طرق؛ المسار الأول هو أن تختار التراجع إلى وضعها المتحفظ السابق في عهد أوباما حين “لم يكن هناك أي تفكير في العمل على أن يحل النفوذ الأميركي محل النفوذ الروسي داخل سوريا… ولم نفكر جديا في فكرة الطريق البري بين إيران ولبنان” على حد وصف السفير الأميركي السابق روبرت فورد. تأتي تصريحات دونالد ترامب، في حال كانت جادة، حول عزم بلاده مغادرة سوريا قريبا في هذا السياق.

ولكن المسار الآخر المتناسب مع عامين من التوسع التدريجي للنفوذ الأميركي، والذي يناقض تصريحات ترامب ويتوافق مع التعديلات الأخيرة في إدارته، هو اتباع سياسة هجومية تكرس النفوذ الأميركي في العراق وسوريا، وتقطع الطريق على طهران وموسكو.

 

المصدر العرب اللندنية

سلام السعدي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

شاهد أيضاً