الأحد 18 ذو القعدة 1445 ﻫ - 26 مايو 2024 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

هل تشهد تونس أزمة مالية خانقة؟

بعد قرار الحكومة التونسية اللجوء إلى اﻻقتراض، بدا الحديث عن احتمالية سقوط “تونس” في أزمة مالية خانقة.

وأرجع خبراء اقتصاديون تمكن تونس من سداد جميع قروضها الداخلية والخارجية لسنة 2023 بالأساس إلى الاقتراض، وليس إلى تطور مداخيلها الذاتية، مؤكدين أنها ستواجه أزمة مالية خانقة هذا العام، لأنها غير قادرة على تعبئة القروض الخارجية المبرمجة لتمويل حاجاتها وأداء ديونها جراء تعطل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وبسبب اللجوء المكثف إلى الاقتراض من الداخل أو الخارج من قبل الحكومة لتغطية عجز الموازنة المرتفع، يتوقع خبراء في الاقتصاد أن تشهد تونس العام الجاري ارتفاعا كبيرا في مستوى نسبة التضخم وتراجعا في الاستثمار وانخفاضا في معدل النمو الاقتصادي المحدد في قانون الميزانية لعام 2024 بنحو 2.1%.

وكانت وزيرة المالية سهام نمصية أكدت مؤخرا أن تونس تمكنت من سداد جميع أقساط الدين الداخلي والخارجي أصلا وفائدة لعام 2023.

وسرعان ما انتشر الخبر بوسائل الإعلام وتناقلته ألسن العامة بالشوارع معتقدة أن تونس نجحت في تسديد ديونها بفضل تحسن النمو وتطور عائداتها من السياحة وتحويلات المغتربين.

بيد أن الأمر ليس دقيقا، فقد أكد خبراء أن أساس سداد تلك القروض هو الاقتراض، ويقول الخبير الاقتصادي معز حديدان إن تونس تمكنت من سداد ديونها الداخلية عبر مزيد من الاقتراض من البنوك المحلية، في حين استطاعت سداد ديونها الخارجية ع طريق الاقتراض أساسا من الخارج وبشكل أقل من الداخل بالعملة الأجنبية.

ويتابع أن الحكومة التونسية سددت خلال سنة 2023 ديونا خارجية بقيمة 8.7 مليارات دينار (2.7 مليار دولار).

ويؤكد حديدان وجود توجه مفرط للاقتراض من البنوك المحلية لسداد ديون تونس الداخلية وتسيير نفقاتها، موضحا أن الحكومة برمجت العام الماضي اقتراض مبلغ بـ11.36 مليار دينار (3.5 مليارات دولار)، لكن لم تنجح سوى في اقتراض نحو 9.76 مليارات دينار (3.1 مليارات دولار) إلى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وخططت الحكومة للاقتراض من الخارج نحو 10.56 مليارات دينار (3.2 مليارات دولار) سنة 2023، بيد أنها لم تنجح إلا في اقتراض نحو 5 مليارات دينار (1.5 مليار دولار) إلى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وقد أثر ذلك بشكل واضح على استيراد المواد الأساسية، منها الأدوية والقهوة والسكر والحبوب وخلق طوابير أمام المخابز.

ويرجع حديدان في حديثه للجزيرة نت، عدم قدرة الحكومة على بلوغ مستوى الاقتراض الذي وضعته في موازنة العام الماضي (المقدر بـ11.36 مليار دينار) إلى تعطل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، مما عرقل إمكانية الحصول على أسواق الدين الخارجية في إطار التمويل الثنائي ومتعدد الأطراف مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وغيرهما.

ويلقي شح التمويلات الخارجية بآثار سلبية على تونس، وقد أدى هذا الشح إلى تقليص الحكومة وارداتها المواد الأساسية المدعمة.

ويقول حديدان إن نفقات الدعم والتحويلات الاجتماعية تراجعت من نحو 19.16 مليار دينار (5.9 مليارات دينار) إلى 10.8 مليارات دينار (3.3 مليارات دولار) نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ويتوقع حديدان أن تكون عام 2024 سنة مالية صعبة من حيث تعبئة القروض الخارجية لتمويل حاجات تونس من المواد الأساسية وسداد الديون، مبينا أن الحكومة برمجت اقتراض 10.3 مليارات دينار العام الجاري (3.2 مليارات دولار) دون أن تحدد مصدرها، مما يطرح عدة أسئلة حول كيفية سد تلك الثغرة في الموازنة؟

ولا يستبعد حديدان أن يتم تمويل جزء مهم من تلك القروض المبرمجة غير معلومة المصدر من الداخل عبر البنك المركزي التونسي بعد إدخال تنقيحات على قانونه، محذرا من أن اللجوء إلى الاقتراض المباشر بالدينار من البنك المركزي ستكون له تداعيات سيئة على النظام البنكي والبنوك وعلى الاستثمار والنمو.

ويقول إن “أي زيادة في الكتلة النقدية سيترتب عنه أثر مباشر في ارتفاع التضخم”.

بدوره، يفسر الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي للجزيرة نت نجاح تونس في سداد ديونها الداخلية والخارجية لعام 2023، رغم تعطل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، أساسا إلى الاقتراض من الداخل والخارج، مشيرا إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في حجم الاقتراض الداخلي والخارجي عام 2023 مقارنة بالسنة التي سبقتها.

وارتفع الاقتراض الخارجي من 7.6 مليارات دينار (2.4 مليار دولار) عام 2022 إلى نحو 10.5 مليارات دينار (3.2 مليار دولار) عام 2023. بينما ارتفع حجم الاقتراض الداخلي من 10.5 مليارات دينار (3.2 مليار دولار) عام 2022 إلى 11.3 مليار دينار (3.52 مليار دولار) سنة 2023، حسب الخبير الاقتصادي.

ويقول الشكندالي إن سداد القروض الخارجية خاصة عن طريق الاقتراض الخارجي كان على حساب توريد المواد الأساسية المدعمة للتونسيين الذين زادت معاناتهم من الغلاء والتضخم وفقدان المواد الأساسية.

وأشار الشكندالي إلى أن سداد الديون الخارجية أثر سلبا على النمو الاقتصادي الذي تراجع من 1.6% مقدرة في عام 2023 إلى 0.9% (مقابل 1.8% مبرمجة) بسبب خفض توريد المواد الأساسية المستخدمة في المصانع.

ويضيف “لقد خسرت الدولة أكثر من مليار دينار (300 مليون دولار) من الموارد الضريبية على الشركات الصناعية بسبب تراجع النمو”.

ويقول الشكندالي إنه لا يمكن الاستمرار على النحو نفسه في سداد القروض الخارجية، لاسيما بالاعتماد على تقليص استراد المواد الأساسية، لأن ذلك قد يجبر بعض المؤسسات على الغلق وتسريح العمال ويقلص النمو إلى أقل من 0.9% مقابل 2.1% متوقعة.

كما يرى الشكندالي أن الإفراط في الاقتراض من الداخل أو التوجه للاقتراض من البنك المركزي لتغطية نفقات الاستهلاك دون خلق التنمية والاستثمار سيغذي الضغوط التضخمية.

ويقول “إذا كانت الدولة تنوي الاقتراض مباشرة من البنك المركزي لدعم الميزانية وسد نفقاتها الاستهلاكية ستكون الطامة الكبرى”.

وجاءت تصريحات الخبراء قبيل إعلان وزيرة المالية التونسية أن الحكومة لجأت إلى طلب تمويل مباشر من البنك المركزي لسداد ديون خارجية عاجلة، من بينها سندات دولية بقيمة 850 مليون يورو (920 مليون دولار) يستحق سدادها في 16 فبراير/شباط القادم.
وقالت البوغديري أمام لجنة المالية بالبرلمان إن تونس ملتزمة بسداد كل ديونها في آجالها “رغم كل الإكراهات في إطار المحافظة على السيادة الوطنية، وفي إطار التعويل على الذات”.

وقال محافظ البنك المركزي مروان العباسي للجنة المالية إن سداد قرض بقيمة 850 مليون يورو سيؤدي إلى انخفاض احتياطي العملة خلال 14 يوما من الاستيراد، وسيكون له تأثير على سعر الصرف، لكنه لن يؤثر على التضخم.

وحذر العباسي في 2022 من أن خطط الحكومة لمطالبة البنك بشراء سندات خزانة تنطوي على مخاطر جسيمة، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية.

وقال آنذاك إن هذه الخطوة ستؤدي إلى زيادة التضخم بشكل لا يمكن السيطرة عليه، والذي قد يصل إلى 3 أرقام محذرا من أن “السيناريو الفنزويلي سيتكرر في تونس”.

    المصدر :
  • الجزيرة
  • رويترز