الأربعاء 1 صفر 1448 ﻫ - 15 يوليو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

"المدينة الإنسانية".. مخطط إسرائيلي جديد لتهجير الفلسطينيين في غزة وكسر صمودهم!

بعد نحو شهرين من “مصائد الموت” التي نصبتها “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة أمريكيا وإسرائيليا لحصد أرواح مئات الفلسطينيين بالقطاع، تسارع تل أبيب الخطى نحو مخطط جديد بعنوان براق آخر يحمل اسم “المدينة الإنسانية” يستهدف تجميع نحو 600 ألف فلسطيني مع حظر مغادرتهم لها.

حسب المخطط الإسرائيلي الذي تناقلته وسائل إعلام عبرية، ستقام تلك المدينة المزعومة على أنقاض مدينة رفح جنوب قطاع غزة على الحدود مع مصر، وسط مواصلة تل أبيب حرب الإبادة على القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بالتوازي مع رفضها دخول المساعدات الإنسانية للفلسطينيين للشهر الخامس.

هذا المخطط الذي كشف عنه مسؤولون إسرائيليون ووسائل إعلام عبرية، يجسد وجهًا آخر للحرب المركبة التي تشنها تل أبيب على غزة، فهي لا تكتفي بالقتل والدمار، بل تحاول أيضا إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني نفسه، عبر مشاريع تُشبه “معسكرات احتجاز مغلقة” يجري تسويقها بعباءة “العمل الإنساني”.

القناة 12 العبرية، تطرقت الجمعة، إلى تلك المدينة التي وصفها أكاديمي إسرائيلي ومسؤولة أممية بأنها “ستكون سجنا للفلسطينيين”.

وكشفت القناة العبرية، الجمعة أنه “في الوقت نفسه، تخطط إسرائيل لاستخدام المدينة الإنسانية لتشجيع سكان غزة على الهجرة، ويقود المدير العام لوزارة الدفاع نائب رئيس الأركان السابق، أمير برعام، الخطة ويقوم بالفعل بالترويج لها”.

وأشارت إلى أن “هدف المدينة: عزل السكان عن حماس، وإنشاء آليات لتشجيع الهجرة الطوعية، وإنشاء نظام مدني جديد”، وفق تعبيرها.

ويشير تقدير لمنظومة الأمن الإسرائيلية إلى أن تكلفة المخطط الذي تدفع به الحكومة الإسرائيلية، لإقامة ما يُسمّى بـ”المدينة الإنسانية” جنوبيّ قطاع غزة، وتشغيلها في السنة الأولى؛ 20 مليار شيكل.

ويُقدَّر ذلك بنحو نصف الميزانية المتوقعة لوزارة الأمن، للعامين الحاليّ، والمقبل، الأمر الذي سيتطلّب إضافة مبالغ إضافية لميزانية وزارة الأمن.

ونقلت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة (“كان 11”)، عن مسؤولين اقتصاديين، وصفتهم برفيعي المستوى، أن “هذا سيتطلب فتح الميزانية، وإجراء تعديلات”.

فحص أمني صارم

وخلال إحاطة صحفية الاثنين، كشف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن ملامح خطة جديدة لإقامة ما سماه “مدينة إنسانية” مكونة من خيام على أنقاض مدينة رفح، تتضمن نقل 600 ألف فلسطيني إليها في مرحلة أولى بعد خضوعهم لفحص أمني صارم، على ألا يُسمح لهم لاحقا بمغادرتها.

ولفت إلى أن العمل على بناء هذه المدينة المزعومة سيبدأ بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، الذي يتم نقاشه حاليا خلال مفاوضات الدوحة.

فيما قالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، إن هذه الخطة ضمن مخطط واسع لتهجير الفلسطينيين خارج بلادهم، مشيرة إلى أنها ستقام بين محوري “فيلادلفيا” و”موراج” جنوب القطاع، بزعم الفصل بين المدنيين وعناصر الفصائل الفلسطينية المسلحة.

وأشارت إلى أنه سيتم في المرحلة التالية تجميع كل فلسطينيي غزة في هذه المنطقة، قبل تفعيل آليات لتشجيع ما تزعم أنها “هجرة طوعية” للفلسطينيين هناك.

وبينما لم يكشف كاتس عن المساحة التي سيتم عليها بناء هذه المدينة، فإن مساحة رفح بالكامل تبلغ نحو 55 كيلومترا مربعا.

فيما تبلغ مساحة غزة بالكامل 365 كيلومترا مربعا، التي تُوصف بأنها أكثر مكان مزدحم بالكامل.

“ترانسفير إجرامي”

والأربعاء، كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى لتسويق مخطط المدينة المزعومة، بينما نقلت عن مسؤولين عسكريين قولهم إن الجيش الإسرائيلي لا يملك الأدوات اللازمة لتنفيذ هذا المخطط.

وفي افتتاحية لصحيفة “هآرتس”، وصفت الخطة بأنها “ترانسفير إجرامي”، مؤكدة أن ما يُسوّق له تحت مسمى “مدينة إنسانية” ليس سوى “معسكر اعتقال” يُرسل إليه الفلسطينيين بغزة، ولا يُسمح لهم بالمغادرة إلا إذا “اختاروا” الهجرة.

واعتبرت أن المشروع يمثل انحدارا أخلاقيا خطيرا لإسرائيل، مؤكدة أن محاولات تغليفه بأسماء مزيفة لا تغير حقيقته، فهو في جوهره “معسكر اعتقال”.

وأضافت: “يبدو أن إسرائيل مقتنعة بأن وصف إنساني كافٍ لإضفاء الشرعية على أي عمل، تمامًا كما تفعل باستخدام عبارة (الجيش الأكثر أخلاقية في العالم)، التي لم تعد مرتبطة مطلقًا بما يفعله جنود الجيش الإسرائيلي”.

وزادت: “الآن، يحاولون تصوير معسكر الاعتقال، المعد لأغراض الترحيل (التهجير القسري)، بأنه أكثر معسكر اعتقال أخلاقي في العالم”.

“خطة الجنرالات” ـ تهجير الشمال:

في 7 أكتوبر 2024، بالتزامن مع مرور عام على الحرب، بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ خطة غير معلنة تهدف إلى إخلاء شمال قطاع غزة من الفلسطينيين، وتحديدًا بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا، باتجاه الجنوب، فيما اعتبر تطبيقا عمليا لما عُرف لاحقا بـ”خطة الجنرالات”.

الخطة كشف عنها موقع “واي نت” في سبتمبر/ أيلول 2024، وتهدف إلى تحويل مناطق شمال ما يسمى “ممر نتساريم” جنوب غزة إلى منطقة عسكرية مغلقة، مع فرض حصار كامل لدفع الفصائل الفلسطينية إلى الاستسلام أو القتل، وفق ما ورد في صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

لكن مع مرور الوقت، تراجعت القوات الإسرائيلية عن كثير من المواقع، وتبيّن فشلها في فرض السيطرة، بحسب ما أقر به غيؤرا آيلاند، مهندس الخطة والرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، الذي كتب في أبريل/ نيسان 2025: “بعد عام ونصف من الحرب، من الصحيح أن نقول بكل حزن إن إسرائيل فشلت فيها”.

“خطة الفقاعات” ـ تقسيم القطاع:

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، كشفت صحيفة “هآرتس” عن خطة جديدة للجيش الإسرائيلي تقوم على تقسيم قطاع غزة إلى 4 مناطق معزولة عن بعضها، كـ”فقاعات جغرافية” يتم فيها فصل الفلسطينيين عن بعضهم تحت مبرر الأمن.

ووفق تقرير سابق لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن الخطة تهدف إلى تحديد مناطق يُسمح للفلسطينيين بالعيش فيها شرط عدم انتمائهم إلى “حماس”، ما يعكس مشروع عزل جماعي داخل القطاع ذاته.

لكن هذا المخطط فشل في تحقيق أهدافه بفعل استمرار عمليات الفصائل ورفض الفلسطينيين أي تهجير من خارج مناطقهم.

مخطط بلا إنسانية

والخميس، أكدت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، أن مخطط إسرائيل لإنشاء ما تسميه “مدينة إنسانية” على أنقاض مدينة رفح “لا يمت إلى الإنسانية بصلة”.

وقالت مديرة العلاقات الخارجية والإعلام في الأونروا تمارا الرفاعي، خلال تصريح صحفي، إن تسمية هذا المكان “المدينة الإنسانية” تعد “إهانة لمبدأ الإنسانية؛ لأنه لا يوجد أي جانب إنساني في ذلك، وهذه المدينة (المزعومة) لا تمت للإنسانية بصلة”.

واعتبرت أن حشر 600 ألف فلسطيني بغزة في ذلك المكان خلال المرحلة الأولى، ثم جميع سكان القطاع (البالغ عددهم مليونين و114 ألفا) داخل مساحة ضيقة تخضع لرقابة مشددة من القوات الإسرائيلية، “سيحول غزة التي كانت تعرف قبل ذلك بأنها أكبر سجن مفتوح في العالم إلى السجن المفتوح الأكثر اكتظاظا ورقابة في العالم”.

ومواصلة استنكارها للمخطط الإسرائيلي، حذرت الرفاعي من أنه “سيؤدي إلى إنشاء معسكرات مكتظة ضخمة للفلسطينيين على الحدود مع مصر”.

وأضافت: “لا يمكننا الصمت والتواطؤ مع هذا النزوح القسري واسع النطاق”.

والأربعاء، قال المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، إن هذا المخطط سيؤدي إلى إنشاء “معسكرات مكتظة ضخمة على الحدود مع مصر للفلسطينيين الذين عانوا من النزوح جيلا بعد جيل”.

وأضاف: “الطريق الوحيد للمضي قدما هو وقف إطلاق نار دائم يشمل إطلاق سراح الرهائن (الأسرى الإسرائيليين بغزة)، وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية بشكل آمن ويحفظ الكرامة، والالتزام الصادق بحل الدولتين”.

توزيع المساعدات عبر العشائر

في محاولة لتجاوز المؤسسات الفلسطينية وإيجاد بدائل مجتمعية موالية، سعت إسرائيل خلال الشهور الماضية إلى إشراك وجهاء عشائر في قطاع غزة بتوزيع المساعدات الإنسانية على الفلسطينيين بغزة، ضمن خطة لتفكيك النسيج الوطني وتحييد أي نفوذ للفصائل أو الجهات الرسمية.

غير أن هذا المسار اصطدم برفض شعبي واسع، وغياب ثقة الفلسطينيين بأي قنوات لا تخضع لمعايير شفافة ومحايدة، ما أدى إلى فشل الخطة ميدانيا.

وفي سبتمبر 2024، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست (البرلمان)، بأن “محاولة السماح للعشائر في غزة بتوزيع المساعدات لم تنجح”، في اعتراف جديد بعجز تل أبيب عن هندسة واقع بديل داخل القطاع المحاصر.

كل هذه المخططات، من “المدينة الإنسانية” إلى توزيع المساعدات عبر العشائر، مرورا بخطط التهجير والتقسيم، تكشف أن إسرائيل لم تكتف بشن حرب إبادة على غزة، بل تسعى لفرض واقع سكاني وسياسي جديد يفرغ القطاع من هويته ووجوده.

لكن، وعلى مدى شهور الإبادة الجماعية، فشلت إسرائيل في تنفيذ مخططاتها رغم القتل والتدمير والضغط الإنساني غير المسبوق.

ووصفت صحيفة “هآرتس”، سابقا، هذه الحرب بأنها “عبثية، وبلا أهداف، ووحشية للغاية”، داعية إلى إنهائها فورًا “مهما كان الثمن”.

وتواصل إسرائيل، بدعم أمريكي مطلق، ارتكاب إبادة جماعية في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، خلفت أكثر من 195 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 10 آلاف مفقود، فضلا عن مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين.

    المصدر :
  • الأناضول
  • وكالات