الأربعاء 29 صفر 1448 ﻫ - 12 أغسطس 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

من الشارع إلى الشاشات.. كيف تُدار الأزمة الإيرانية عبر حروب التضليل والذكاء الاصطناعي؟

تشهد إيران تصعيدًا متوازيًا لا يقل شراسة عن المواجهة في الشارع، حيث تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع مفتوحة بين النظام الحاكم وقوى المعارضة، في حرب دعائية تعتمد أدوات متقدمة وتقنيات حديثة، أبرزها الذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية، وسط تعتيم معلوماتي خانق.

ويوضح الصحفي الإيطالي أندريا موراتوري، في تقرير نشره على موقع “إنسايد أوفر” المتخصص في الشؤون الدولية والجيوسياسية، أن طرفي الصراع في إيران انخرطا في معركة ممنهجة للسيطرة على الرواية العامة، عبر صناعة محتوى موجّه يهدف إلى التأثير في الرأي العام المحلي والدولي، في ظل قيود مشددة على تدفق المعلومات.

النظام: صناعة واقع بديل

بحسب التقرير، اعتمدت السلطات الإيرانية سياسة مزدوجة تقوم على حجب الإنترنت من جهة، وملء الفراغ المعلوماتي بسرديات مصطنعة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، لجأت الأجهزة الإعلامية الرسمية إلى نشر مقاطع فيديو معدلة أو مولدة بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تُظهر حشودًا ضخمة ترفع أعلام “الجمهورية الإسلامية”، في محاولة لإظهار دعم شعبي واسع للسلطة.

كما أشار موراتوري إلى إعادة تدوير لقطات قديمة، تعود إلى أحداث سابقة مثل جنازة قاسم سليماني عام 2020، وتقديمها على أنها مشاهد حديثة لمظاهرات مؤيدة للنظام، بهدف ترسيخ صورة الاستقرار وتخويف المعارضين.

ويرى الكاتب أن هذه الاستراتيجية تسعى إلى فرض رواية رسمية وحيدة في ظل غياب المصادر المستقلة، بما يضمن استمرار النظام وتعزيز قبضته السياسية.

المعارضة: شبكات رقمية وتضخيم سردي

في المقابل، لم تخلُ ممارسات المعارضة، خصوصًا في الخارج، من توظيف أدوات مشابهة. فقد رصدت تقارير تقنية انتشار شبكات واسعة من الحسابات الآلية على منصتي “إكس” و“إنستغرام”، تعمل بشكل منسق لتضخيم خطاب المعارضة ونشر روايات أحيانًا متضاربة أو مبالغ فيها، بهدف الضغط على النظام وجذب الاهتمام الدولي.

ولفت التقرير إلى أن مؤسسات بحثية مثل “نيوز غارد” وثّقت انتشار مقاطع “تزييف عميق” نُسب إنتاجها إلى أطراف معارضة، حققت ملايين المشاهدات، وأسهمت في زيادة التشويش المعلوماتي.

كما أشار موراتوري إلى دخول أطراف إقليمية ودولية على خط الحرب الرقمية، حيث تحدث عن نشاط مكثف لحسابات مرتبطة بإسرائيل، وفق تقرير لشبكة الجزيرة، استغلت موجة الاحتجاجات لتوجيه الرأي العام ضد طهران، ما زاد المشهد تعقيدًا وتشابكًا.

ضباب الحقيقة والمواطن الضحية

ويخلص التقرير إلى أن هذه المواجهة الدعائية خلقت ما يُعرف بـ“المنطقة الرمادية” المعلوماتية، حيث تتداخل الحقائق مع الأكاذيب، ويصبح من الصعب على المراقبين الدوليين تقدير الحجم الحقيقي للاحتجاجات أو مدى القمع الأمني.

وفي هذا السياق، نُقل عن الباحثة مهسا عليمرداني، مديرة برنامج “التهديدات والفرص التكنولوجية” في منظمة “ويتنس” الحقوقية، تأكيدها أن المواطن الإيراني هو الخاسر الأكبر، إذ تُستغل مطالبه المشروعة وتُوظف ضمن صراعات إقليمية ودولية تتجاوز همومه اليومية.

ويختم موراتوري بالإشارة إلى أن توظيف الذكاء الاصطناعي في الأزمة الإيرانية يعكس دخول العالم مرحلة جديدة من “الحروب المعرفية”، حيث لا يقتصر التضليل على تسويق رواية كاذبة، بل يهدف إلى زعزعة الثقة بكل ما يُنشر، ودفع الجمهور إلى حالة من الشك الدائم، بما يخدم في نهاية المطاف تكريس الأمر الواقع في ظل غياب اليقين.

    المصدر :
  • الجزيرة