الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

حياتي أصبحت "قابلة للتخلص منها" أكثر خلال هذا وباء كورونا

إنّ التمييز العنصري ضدّ المسنّين والتمييز لصالح الأشخاص “الأصحاء” القادرين على العمل الذي أُطلق لهما العنان نتيجة وباء كورونا هما أنواع خاصة من الوباء أيضاً.

مثل العديد من الناس في جميع أنحاء العالم، أنا أيضاً لن أغادر المنزل حالياً. بالنسبة لي، على الأقل، البقاء في المنزل ليس شيئاً جديداً. أنا حالياً في السرير وأنا أكتب هذا، مسنود على كومتي المعتادة من الوسائد، أتحدّث إلى المرضى والمعوقين الآخرين طوال اليوم عبر حاسوبي المحمول عن كيف بحق الجحيم سنعمل على رعاية بعضنا البعض في الأسابيع القادمة، وأنا أشعر بخوف شديد يلتهم بطن.

الأخبار لا تبدو جيدة: هناك المزيد من المرضى؛ القليل من الراحة قادمة. إنّ إعلانات الخدمة العامة “المطمئنة” ليست أفضل. رسائل لا تحصى من طبيب أسناني، من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، ومن مجموعات اللعب الخاصة بطفلي تقول لي لا داعي للقلق لأنّ: “المصابين بأمراض مزمنة وكبار السنّ هم “فقط” الذين يتعرضون لخطر المرض الشديد أو الموت. وقد قال لي أكثر من صديق يعاني من مرض مزمن: “ألا يعرفون أنّ المرضى وكبار السن يمكنهم القراءة؟”

إنّ التمييز العنصري ضد الشيخوخة وذوي الاحتياجات الخاصة الذي يطلق له العنان حالياً هو شكل آخر للوباء. في إيطاليا، قرروا بالفعل عدم إنقاذ حياة المرضى والمعوقين بشكل مزمن، أو كبار السن المصابين بكوفيد 19. والسبب المنطقي له شقين: فنحن أقل احتمالاً للبقاء على قيد الحياة، والعناية بنا قد تتطلب المزيد من الموارد. وهذا قرار فرز   متوقّع اتخاذه في زمن الحرب أو الأوبئة؛ فحياتنا تعتبر، حرفياً، أكثر قابلية للتخلص منها.

أنا حاخام مريض بشكل مزمن يقدم الرعاية الروحية لأولئك الذين يعانون من المرض، والكبار الذين اقتربوا من نهاية الحياة. تقريباً لا أحد في عالمي الشخصي أو المهني “سيكسب” الرعاية إذا حدث للولايات المتحدة سيناريو مثل إيطاليا.

ولا حتى مريضي الذي يبلغ من العمر 102 عاماً ذو العينين الزرقاوين اللامعة والفضول الشرس الذي نجا من معسكر أوشفيتز؛ ولا صديقي الذي هو كاتب ذكي بشكل شرير، وناشط، ومستخدم كرسي متحرك والذي يتعافى حاليا من جراحة كبرى؛ ولا أنا، بجهازي المناعي الذي لا يعمل بشكل جيد، أو يعمل بجهد كبير، مهاجماً أنسجتي الخاصة.

في الولايات المتحدة، معظم أصدقائي ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى يعتقدون أننا نتسابق إلى وضع مشابه لإيطاليا.

لدينا عاصفة تختمر من عدد كبير من السكان دون التأمين الصحي، كثير من الناس دون إجازة مرضية مدفوعة الأجر، تثُقل بالفعل نظام الرعاية الصحية. هذا الفيروس لا يرحم، وهو يسافر عبر الشباب لمهاجمة كبار السن؛ ومن خلال الأصحاء لمهاجمة المرضى المزمنين.

إنّ السبيل إلى إنقاذ أرواحنا واضح، وفقاً لخبراء الصحة العامة: “إذا كان في مقدوركم ابقوا في المنزل”. إننا محاطون بأشخاص لا يملكون هذا الخيار، بمن فيهم العمال المهاجرون؛ المشردون؛ والعاملون في مجال الرعاية الصحية. ولكن من جهة أخرى، لا يزال الشباب، الأصحاء، الأغنياء، يستغلون تذاكر الطائرات الرخيصة ويستخدمون “وقت إجازتهم” للذهاب إلى المطاعم التي ما زالت أبوابها مفتوحة. لذلك، فإن الرسالة الصارخة الموجهة إلى المعوقين والمسنين والمرضى بصورة مزمنة هي أننا ” خسائر مقبولة.”

إنّ الشعور بكوني “قابل للتخلص” ليس جديداً بالنسبة لي. إنه مُحاك في عظامي وأعضائي، هذا الشعور يعيش في خلاياي وفي الطفيليات التي في أحشائي.

لقد علمت بالفعل أنه بالنسبة للعديد من الأطباء وصناع السياسات التي تعتمد عليها صحتي، أنّ جسمي المتحول جنسياً، السمين، المعاق، يساوي ببساطة أقل من أجساد الآخرين. وهذا ينطبق أكثر على أصدقائي السود وذوي البشرة السمراء والفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى.

كل رسالة عن التخلص التي أسمعها عن الوباء تدقّ مثل جرس في أجواف جسدي، وتظهر معها الذكريات. في عام 1990، عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، أعلنت أنّي شاذا في ظلّ وباء، كان حينها الإيدز يدمر المجتمعات في جميع أنحاء العالم.

أولى الاستعراضات الشاذة التي شاركت فيها لم تكن احتفالات مبهجة، بل احتجاجات صاخبة طالبنا فيها بالرعاية الصحية والطب والاعتراف بنا.

أعمامي الشاذين ماتوا جميعاً قبل سن العشرين، لكنهم علموني ألا أثق بالحكومات أو الأطباء وبأنّ الناس المهمشين يجب أن يعتنوا ببعضهم البعض. درسي الأول في مرحلة البلوغ كان أنّ الحب هو مصدرنا الوحيد للأمن والأمان.

النازيون أطلقوا على المرضى المزمنين والمعوقين “الآكلون الذين ليس لهم فائدة” وقتلونا أولاً. كان هذا يبدو لي تاريخاً قديماً، لكن كلما تقدمت في السن، ينكمش نطاق الزمن. اختبأ والدي من النازيين عندما كنت طفلاً في بلجيكا، وولدت أنا بعد ذلك ب 33 عاماً فقط. يعتقد العلماء الآن أنّ هناك تغييرات خلوية في الحمض النووي لأطفال الناجين من المحرقة والتي على الأرجح تؤثر على صحتنا. قصة والدي تعيش في جهازي المناعي المفرط النشاط، وبالتالي تؤثّر على استجابة جسدي لهذا الوباء في الوقت الحالي.

اليوم يعاني والدي من مرض باركنسون والخرف، ويعيش في مؤسسة تمريض ماهرة. حتى قبل كوفيد19، كان صراعاً بالنسبة للناس ليتصرفوا كما لو أنّ حياته لا تزال تستحق حمايته. يتحدثون عنه في زمن الماضي، باستخدام لغة مثل ” لا نوعية للحياة. “مصطلح” آكل عديم الفائدة ” معلق فقط وراء ما يقال بصوت عال. أنا مرعوب من فكرة أن يصيبه كوفيد19 هو وكل شخص أهتم به مصاب بالخرف في برنامج دار العجزة.

كمعوّق، يهودي، ناج من الجيل الثاني من المحرقة، عبارة “آكل عديم الفائدة” هي عملياً في حمضي النووي. يمكنني أن أتذوق العبارة في فمي بينما أقرأ في الأخبار، عن مرارة السياسات الإيطالية، عن الرعاية الصحية القاسية في هذا البلد، عن الأثرياء الذين يرفضون الاستماع إلى أصوات المرضى والمعوقين والبقاء في المنزل عندما يستطيعون ذلك، عندما أقرأ التعليقات المرفوضة على الإنترنت أنّ المرضى وكبار السن هم  فقط من يجب أن يقلقوا، لذا من يكترث لذلك، من يكترث؟

خلاياي تتذكر أشياء أخرى أيضاً. أننا لننجو من المرض والصدمات، سواء كانت فردية أو مجتمعية، نحتاج إلى بعضنا البعض، بما في ذلك الغرباء.

عندما كان والدي في الثانية من عمره، اختبئ من النازيين في دار رعاية مسيحية، حيث تطورت لديه حالة عالية من السعال الديكي. لقد سقط بشكل غير رسمي على أبواب دير راهبات بلجيكي. فقامت النسوة برعايته ليعود إلى حالته الصحية، وأعادوه بعد بضعة أشهر، بعد أن تعافى تماماً. أتمنى لو كنت أعرف أسماء النساء المجهولات اللواتي أدين لهم بوجودي، اللواتي اهتممن به، قمن بتحميمه وإطعامه وغيّرن ورتّبن هندامه.

في هذه اللحظة، واحدة من أفضل الطرق التي يمكن أن تظهر وتنقذ حياة إخواننا البشر هو الانسحاب جسدياً. إنّ البقاء بعيداً عن الآخرين يتناقض مع الصورة النمطية عن كيف يبدو إنقاذ الأرواح.

نحن معتادون على اندفاع الأبطال. ولكنّ المعوقين والمرضى يعرفون بالفعل أنّ السكينة والاستقرار يمكن أن تكون رعاية أيضاً. نحن نعلم أن أجهزة المناعة هي أشياء هشّة، والمنازل لا يمكن أن تترك دائماً.

وأنّ الراحة هي العدالة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي الآن واحدة من أقوى أدواتنا للحفاظ على بعضنا البعض على قيد الحياة.

لقد قضيت سنوات من حياتي نادراً ما أغادر فيها المنزل. البقاء في المنزل بسبب المرض غالباً ما يكون سيئاً لكن نتيجة لذلك غالباً ما تكون أشياء أخرى – أهدأ. أنواع التواصل التي يمكن أن تأتي فقط من البطء العميق، من الهدوء والسكينة بدلاً من الصّخب والتوسّع.

حتى ونحن ننسحب جسدياً، فإنّ حاجتنا العاطفية والروحية للآخرين أصبحت أكثر وضوحاً من ذي قبل. عرفت بالفعل أننا بحاجة إلى بعضنا البعض بطرق حميمة والتي تتجاوز قدرة أجسادنا على الاتصال. ذوي الاحتياجات الخاصة هم خبراء في العلاقات الحميمة العميقة الجذابة بدون لمس. لقد اعتدنا أن نكون مبدعين كما يقول مشروع الخطايا الباطلة، “نحن نحب مثل البرنقيل،”نتمسًك ببعضنا أينما، ومهما استطعنا.

التصوف اليهودي يقول أنّ حروف لفيفة التوراة هي نار سوداء على نار بيضاء من الورق. في هذه الأوقات الصعبة، يجب أن نجد طريقة لجعل المساحات بيننا مقدسة. في هذا الوباء، إنّ النار البيضاء هي التي ستحمل حبنا الوفير، عنايتنا الرائعة، وإيماننا الثابت بأن ّكل من في حياتنا يستحق الإنقاذ.

تنويه: هذا المقال قام فريق عمل موقع راديو صوت بيروت إنترناشونال بترجمته من الإنجليزية من موقع NyTimes