
مستشفى في لبنان
يشهد القطاع الصحي في لبنان تراجعًا حادًا في قدرته على تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، في ظل أزمات متداخلة أمنية ومالية واقتصادية وسياسية، انعكست مباشرة على كلفة العلاج وإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية. وباتت الرعاية الشاملة عبئًا ثقيلًا على غالبية اللبنانيين، في وقت تفوق فيه نفقات الاستشفاء والدواء قدرة الأسر على الاحتمال.
وفي 27 أيلول 2024، حذّرت متحدثة منظمة الصحة العالمية مارغريت هاريس من أن النظام الصحي اللبناني يواجه تحديات جسيمة، مشيرة إلى الارتفاع المستمر في أعداد الجرحى نتيجة الهجمات الإسرائيلية، ما زاد الضغط على المستشفيات والبنى الصحية المحدودة أصلًا.
ومع تعمّق الأزمة، باتت مستشفيات عدة عاجزة عن العمل بطاقتها الكاملة، فيما اضطرت أخرى إلى الإقفال الجزئي أو الكامل بسبب نقص الموارد البشرية والإمكانات المادية. ويترافق هذا الواقع مع نزيف متواصل في الكوادر الصحية، حيث يهاجر الأطباء والممرضون بحثًا عن استقرار مهني ومعيشي مفقود في الداخل.
ولا يقتصر هذا النزيف على فئة بعينها، بل يشمل مختلف مفاصل القطاع الصحي، ما يؤدي إلى فجوات متزايدة في الخدمات الأساسية. وفي ظل هذا المشهد، تزداد المخاوف بشأن مستقبل النظام الصحي وقدرته على الصمود، في بلد اعتاد تصدير كفاءاته الطبية بدل الحفاظ عليها.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسة علمية نُشرت في كانون الثاني 2025 بعنوان Physician demography in Lebanon 2024 خللًا واضحًا في التوزيع الجغرافي والتخصصي للأطباء، مع نقص حاد في عدد من الاختصاصات، وعدم قدرة الخريجين الجدد على تعويض الكفاءات المغادرة. وأكدت الدراسة أن هذا العجز ينعكس تراجعًا في جودة الخدمات وصعوبة في الوصول إليها، داعية إلى اعتماد سياسات وطنية لتحفيز الأطباء على البقاء، خصوصًا في المناطق المحرومة، وتعزيز التدريب المهني وربط الخدمات الصحية بالحاجات الفعلية للمجتمع.
وفي تعليق له، أوضح الرئيس السابق للجنة الطبية في نقابة الأطباء الدكتور برنارد جرباقة أن صعوبة وصول النساء الحوامل والأسر اللبنانية إلى الخدمات الصحية ارتفعت من 25% عام 2020 إلى 36% عام 2025، بفعل ارتفاع التكاليف والتضخم وصعوبة تأمين الأدوية واللقاحات وحليب الأطفال. وأشار إلى أن نحو 80% من السكان يفتقرون إلى تغطية صحية شاملة، ما يفاقم الأعباء المالية على المرضى غير المؤمنين ويحدّ من وصولهم إلى الرعاية الأساسية ذات الجودة.
ولفت جرباقة إلى تراجع متوسط أيام الاستشفاء والإقامة في المستشفيات نتيجة ارتفاع الكلفة وضعف الخدمات، مشيرًا إلى أن موازنة وزارة الصحة انخفضت من 486 مليون دولار عام 2018 إلى 37 مليون دولار عام 2022، أي ما يقارب 90% من التمويل الحكومي، مقابل ارتفاع كبير في الاعتماد على الإنفاق الفردي والدعم الخارجي.
كما كشف عن توقف جزئي لعمل 15 مستشفى من أصل 165، ما أدى إلى انخفاض القدرة الاستشفائية بنحو 10%، إضافة إلى فقدان ما يقارب 40% من القدرة السريرية في بعض المحافظات، ولا سيما تلك المتأثرة بالنزاعات. وقدّر أن نحو ألف طبيب غادروا لبنان منذ انتفاضة 17 تشرين، فيما تراوحت نسبة هجرة الطواقم الطبية بين 20% و40% خلال الأعوام الماضية، رغم عودة عدد محدود منهم.
وتؤكد الدراسة أن الزيادة السنوية في أعداد الأطباء المسجلين لا تكفي لتعويض الخسارة الناتجة عن الهجرة، خصوصًا في التخصصات الحساسة كطب الطوارئ والنساء والولادة، فضلًا عن تركّز الكوادر في المدن الكبرى على حساب المناطق النائية والجنوبية.
وفي المقابل، أشاد جرباقة بجهود وزارة الصحة، ولا سيما الاستثمار في شبكة الرعاية الصحية الأولية التي تسهم في الوقاية وتخفيف الضغط عن المستشفيات، رغم معاناتها من ضعف الاستدامة المالية. وذكّر بإقرار لجنة المال والموازنة في 5 كانون الثاني 2026 موازنة وزارة الصحة مع تعديلات شملت دعم الاستشفاء ومراكز الرعاية الأولية، وإن كانت لا تلبي سوى جزء من الحاجات الفعلية.
ورغم قساوة المشهد، عبّر جرباقة عن تفاؤله بعودة الأطباء إلى لبنان، معتبرًا أن الهجرة الحالية ليست الأولى، وأن التجارب السابقة أظهرت قدرة الكفاءات الطبية على العودة والمساهمة في إعادة البناء، في ظل ما يمتلكه لبنان من خبرات متقدمة وقطاع صحي خاص لا يزال فاعلًا.
ويخلص التقرير إلى التأكيد على أن إنقاذ القطاع الصحي يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، تشمل تحسين بيئة العمل، دعم التدريب المستمر، وتقديم حوافز حقيقية لاستبقاء الكوادر، محذرًا من أن غياب استراتيجية وطنية واضحة سيؤدي إلى تعميق أزمة الرعاية الصحية وتقويض استدامتها.