السبت 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 6 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

مجزرة الضرائب.. الفقراء يدفعون فاتورة «تصحيح» الأجور

الأخبار
A A A
طباعة المقال

تعاني هذه الحكومة من خلل جوهري يسمح لها باستنساخ عقلية «السنيورية» من دون أي عوائق. إنها ذهنية محاسبية تركّز على تصحيح المؤشرات المالية بمعزل عن أي رؤية اجتماعية أو اقتصادية شاملة، ما يسهّل إقرار زيادات على ضرائب الاستهلاك في جلسة واحدة، من دون عرض ملفات تفصيلية على الوزراء، بل الاكتفاء بتوزيع بضع صفحات خلال الجلسة تتضمن سيناريوهات سريعة ومختصرة حول الكلفة المالية وآليات تغطيتها.

أما النقاشات التي شهدتها الجلسة فبدت كارثية عموماً، سواء من المؤيدين أو المعترضين أو المتحفظين، إذ لم يجرؤ أحد على تذكير رئيسي الحكومة والجمهورية بالالتزامات الواردة في خطاب القسم والبيان الوزاري بشأن «الإصلاح» و«العدالة الاجتماعية». عملياً، اضطلع المجتمعون بدور حاسم في تمرير ما يشبه مجزرة ضريبية، رُوّج لها على أنها لن تمسّ الفقراء والطبقات المتوسطة وما دون، فيما يؤكد خبراء أن هذه الفئات ستكون الأكثر تضرراً.

ويختصر الخبير الاقتصادي كمال حمدان المشهد بالقول إن «قرارات الحكومة تعبّر عن تمادٍ في النهج المتوارث غير الإصلاحي… الفقراء سيموّلون التصحيح الملتبس لأجور وتعويضات الفئات الأخرى الفقيرة وما دون المتوسطة». ويشير إلى أن الحكومة أقرت زيادة قدرها 320 ألف ليرة على كل صفيحة بنزين، أي ما يعادل نحو 30% من سعرها، إضافة إلى رفع ضريبة القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1% لتصبح 12%، وفرض رسم بقيمة 50 دولاراً على كل مستوعب (كونتينر) بقياس 20 قدماً و80 دولاراً على المستوعب بقياس 40 قدماً. كما واصلت سياسة الترقيع التي بدأت قبل سنوات عبر منح تعويضات مؤقتة لزيادة أجور القطاع العام، شبيهة بما أُقرّ أخيراً من «تعويض مؤقت» يعادل ستة أضعاف الراتب الأساسي من دون أن يدخل في احتساب تعويضات نهاية الخدمة.

هذا المسار ليس جديداً، بل تكرر في سنوات سابقة حين استُبدلت الإجراءات الإصلاحية العميقة بخطوات سريعة وسهلة التطبيق لتعزيز الإيرادات. آنذاك جرى الاستناد إلى توصيات صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن البنزين وزيادة الرسوم عليه، كما حدث في عام 2004 وفي مراحل لاحقة، وصولاً إلى حزيران 2025 حين طرح وزير المال ياسين جابر اقتراحاً لزيادة ضريبة البنزين لتمويل رواتب إضافية للعسكريين والمتقاعدين، قبل أن تسقط الزيادة في تموز من العام نفسه بعد الطعن بها لعدم دستوريتها.

وفي الاقتراح الذي عرضه وزير المال خلال الجلسة، قُدّم سيناريوهان: الأول يقضي بدفع ستة رواتب إضافية للعسكريين والمتقاعدين بكافة فئاتهم وأربع رواتب للموظفين المدنيين في الخدمة، بكلفة 559 مليون دولار للرواتب، و98 مليون دولار للتعويضات العائلية، و64 مليون دولار لمنح التعليم. أما السيناريو الثاني فينص على دفع ستة رواتب إضافية للجميع بكلفة 618 مليون دولار، إضافة إلى 98 مليون دولار للتعويضات العائلية و64 مليون دولار لمنح التعليم. وأوضح جابر أن هذه الأرقام لا تشمل أي توظيف جديد، محذراً من أن غياب إجراءات تمويلية سيُثقل الخزينة، وقد يحوّل الفائض الأولي المحقق إلى عجز ويعرّض أي برنامج محتمل مع صندوق النقد الدولي للخطر. كما أشار إلى أن تعيين 1600 أستاذ في الجامعة اللبنانية يكلّف نحو 38 ألف دولار سنوياً للأستاذ الواحد، أي ما مجموعه 60.8 مليون دولار.

واقترح الوزير جملة إجراءات تمويلية، منها رفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة 2%، وزيادة رسم استهلاك البنزين بنحو 15 ألف ليرة على الليتر (300 ألف ليرة على الصفيحة)، ورفع رسم المازوت 2500 ليرة على الليتر (50 ألف ليرة على الصفيحة)، إضافة إلى زيادة 100 دولار على كل حاوية قياس 20 قدماً و200 دولار على كل حاوية قياس 40 قدماً وما فوق.

وخلال النقاش، لم يتجه أي وزير إلى إعادة توجيه البحث نحو سياسات ضريبية أكثر عدالة أو إلى طرح بدائل جذرية، رغم أن الضرائب المقترحة تطال صغار المستهلكين أكثر من كبارهم. فقد اعترض وزير العمل محمد حيدر على رفع الـTVA بنسبة 2%، كما اعترض وزير الصناعة جو عيسى الخوري على زيادة ضريبة المازوت لما لها من أثر مباشر على الصناعيين ومشتركي المولدات، خصوصاً أنهم سبق أن تحملوا رسوماً على الحاويات يصل جزء منها إلى شركة «CMA CGM». وردّ جابر بأن ضريبة القيمة المضافة لا تطال أصحاب الدخل المحدود، فاقتُرح رفعها بنسبة 1% فقط بدلاً من 2%، ونال الاقتراح موافقة غالبية الوزراء. كما أُقرت زيادة على البنزين بقيمة 16 ألف ليرة لكل ليتر من عيار 98 أوكتان، أي ما يوازي 320 ألف ليرة على الصفيحة.

وبدا الوزراء كأنهم عاجزون عن تغيير المسار، وأن وعود التغيير التي جاءت بهم لم تتجاوز حدود الشعارات، إذ لم يُعرض عليهم أي تقييم اقتصادي لنتائج القرارات المتخذة، وفق ما أشار وزير الصناعة. وهذا يعكس استمرار الذهنية نفسها في إدارة السلطة التنفيذية، وكأن أزمة الإفلاس في 2019 لم تقع، وكأن تداعيات العدوان الإسرائيلي غير قائمة.

وتعيد الحكومة إنتاج سياسات سابقة انسجاماً مع قواعد صندوق النقد الدولي التي تشدد على منع تسجيل عجز مالي، وهو ما عبّر عنه الوزير جابر بعبارة «لا مصروف بلا مدخول»، مضيفاً في جلسة سابقة لمجلس النواب: «ماذا أقول لصندوق النقد الدولي؟».

ويصف كمال حمدان هذا المسار بأنه «نهج متوارث منذ عقود»، معتبراً أن ما جرى يشكل تمادياً في هذا الأسلوب غير الإصلاحي. ويرى أن الحكومة التي رفعت شعار الإصلاح كان يفترض بها إرساء قواعد إصلاحية ولو تدريجياً، تشمل في آنٍ واحد القطاع العام، وسوق العملة، وبنية الأجور، وغيرها من الملفات الأساسية اللازمة للتعافي.

إلا أن الحكومة اختارت سهولة التطبيق في الشكل، مع تكريس مضمون يحمل انعكاسات طبقية واجتماعية واضحة، تعكس بنية الاقتصاد السياسي القائم، حيث تبقى الضرائب غير المباشرة العمود الفقري للإيرادات في بلد يعاني، بحسب دراسات دولية، من تفاوت صارخ في توزيع الدخل والثروة. ويخلص حمدان إلى أن الفئات الفقيرة ستتحمل عبء تمويل تصحيح ملتبس لأجور وتعويضات فئات فقيرة وأخرى دون متوسطة، متسائلاً عن سبب غياب أي مبادرة سياسية، قديمة أو جديدة، لطرح بدائل مثل اعتماد ضرائب تصاعدية على الدخل، أو فتح ملفات ضرائب الإرث واستثمار الملك العام. ويشير إلى أن مؤشر الأسعار، بعد دولرته منتصف 2023، ارتفع حتى نهاية 2025 بنسبة تراكمية وسطية بلغت 46%، ما يضاعف من وطأة هذه الإجراءات على الشرائح الأضعف.