الجمعة 19 ذو الحجة 1447 ﻫ - 5 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

تصعيد غير مسبوق في البقاع يخلط الأوراق الداخلية ويضع لبنان أمام مفترق حاسم

حجبت الضربات العنيفة التي شنّتها إسرائيل مساء الجمعة على بلدات في البقاعين الأوسط والشمالي، وما خلّفته من عدد كبير من الضحايا ودمار واسع، مختلف الملفات الداخلية على تنوّعها. وبدا جلياً أن حجم هذه الضربات ونوعيتها يشكّلان مؤشراً إلى احتمال انزلاق الأوضاع نحو تطورات ميدانية وعسكرية أكثر خطورة في وقت قريب.

ورغم أن المشهد السياسي الداخلي كان قد بدأ يتمحور حول أولوية الاستحقاق الانتخابي، في ظل تقديرات متباينة بشأن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أو تأجيلها إلى أجل غير محدد، فإن التداعيات الصادمة لغارات البقاع أطاحت مؤقتاً بكل تلك العناوين. إذ كشف حجم الخسائر أن الضربات خرجت عن نمطها التقليدي، بما يوحي بإمكان ارتباطها بمرحلة حبس الأنفاس بانتظار حسم مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، سلباً أو إيجاباً، خلال الأيام القليلة المقبلة وفق ما يتردد من معطيات وانطباعات.

وفي هذا السياق، يبدو مستبعداً حسم أي ملف داخلي قبل اتضاح وجهة المواجهة الأميركية – الإيرانية، وما إذا كانت ستتجه نحو ضربة أميركية لإيران أو نحو تسوية، نظراً لانعكاس أي من الخيارين مباشرة على الوضع اللبناني.

في المقابل، برز جانب سلبي رافق انكشاف حجم الخسائر البشرية والمادية، تمثّل في مواقف صادرة عن نواب في “حزب الله”، إضافة إلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، حمّلوا فيها السلطة مسؤولية الهجمات الإسرائيلية، من دون التطرق إلى خطورة انتشار قادة الحزب ومسؤوليه بين المباني السكنية ومنازل المواطنين، بما في ذلك منازل عائلاتهم وأقربائهم، وما قد يترتب على ذلك من تعريض المدنيين لمخاطر جسيمة.

ميدانياً، خلّفت الغارات بين علي النهري وبدنايل وتمنين في البقاع دماراً كبيراً طال عدداً من المباني السكنية والممتلكات، فضلاً عن أضرار في البنى التحتية. وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة أن الغارات على أكثر من بلدة في البقاع أسفرت عن مقتل 10 مواطنين وإصابة 24 آخرين بجروح، بينهم ثلاثة أطفال. ومن بين الجرحى عاملة بنغلادشية كانت موجودة في منزل مستخدميها من آل سليمان في بدنايل، فيما قضت صديقة لها من مواطنيها كانت تمضي سهرة رمضانية في منزل شقيقها.

ونعى “حزب الله” ستة من عناصره الذين سقطوا في الغارات، وهم: حسين محمد ياغي، علي زيد الموسوي، محمد إبراهيم وهبي الموسوي، السيد قاسم علي مهدي، حسنين ياسر السبلاني، وأحمد حسين الحاج حسن. وفي حصيلة نهائية، أشير إلى أن عدد قتلى الحزب بلغ ثمانية عناصر.

من جهتها، ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن الضربات التي وصفتها بالاستثنائية في لبنان دمّرت صواريخ بعيدة المدى تابعة لـ“حزب الله” ومزوّدة برؤوس حربية. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الهجوم على مقرات لـ“حزب الله” و“حماس” في لبنان انطلق من سفينة، في رسالة إلى أذرع إيران مفادها أن استمرار الانشغال الجوي لن يمنع مواصلة الضربات البحرية. ولاحقاً، أفاد الجيش بأن عناصر من وحدة الصواريخ في “حزب الله” قُتلوا في ثلاث غارات استهدفت مقرات مختلفة في البقاع، مشيراً إلى أن المستهدفين كانوا يعملون على تسريع جاهزيتهم وتعزيز قدراتهم لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل.

سياسياً، دان رئيس الجمهورية جوزف عون بشدة الغارات التي نُفذت من البر والبحر واستهدفت منطقة صيدا وبلدات في البقاع، معتبراً أن استمرارها يشكّل عملاً عدائياً موصوفاً يهدف إلى إفشال الجهود الدبلوماسية التي يبذلها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمها الولايات المتحدة، لتثبيت الاستقرار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. وأكد أن هذه الغارات تمثل انتهاكاً جديداً للسيادة اللبنانية وخرقاً للالتزامات الدولية، ولا سيما القرار 1701، داعياً الدول الراعية للاستقرار في المنطقة إلى تحمّل مسؤولياتها لوقف الاعتداءات فوراً والضغط باتجاه احترام القرارات الدولية بما يحفظ سيادة لبنان وأمنه ويجنب المنطقة مزيداً من التصعيد.

في المقابل، رأى نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” محمود قماطي أن ما جرى في البقاع تجاوز وتيرة المواجهات السابقة خلال الحرب على لبنان، واصفاً التطورات بالتصعيد الخطير، ومشدداً على أن المرحلة لم تترك خياراً سوى المقاومة واتخاذ موقف حازم في مواجهة الاعتداءات.

بدوره، وجّه عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب رامي أبو حمدان خطاباً إلى السلطة اللبنانية، معتبراً أن الاستنكارات لم تعد كافية، وأن دماء اللبنانيين ليست رخيصة. ودعا إلى تغيير جذري في أسلوب التعاطي مع الاعتداءات، وعدم التعامل مع ما يجري في البقاع وجنوب لبنان كأمر اعتيادي، مطالباً بتجميد اجتماعات اللجنة المعنية إلى حين وقف الاعتداءات، ومحمّلاً الحكومة والدولة مسؤولية التحرك السريع والفعّال بعيداً عن ما وصفه بسياسة الخضوع، لأن المناورات السياسية من دون قوة، على حد تعبيره، لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر.