
طائرات لشركة "طيران الإمارات" في مطار دبي
يواجه طيارو شركات الطيران حول العالم مخاطر متزايدة في السنوات الأخيرة نتيجة تسلل الطائرات المسيّرة إلى مسارات الطيران، وهو خطر تفاقم مع تقلص المجال الجوي بسبب الصراعات الدولية. وزادت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران من تعقيد الوضع، ما جعل الأجواء في المنطقة أكثر خطورة على حركة الطيران المدني.
ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، أُطلقت مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في أجواء مناطق تضم بعض أكثر المطارات ازدحاماً في العالم. وشمل الرد الإيراني استهداف مطارات، ما أدى إلى تعطّل عشرات الرحلات الجوية بين دبي وأبوظبي، بينما تمكنت بعض رحلات الإنقاذ فقط من الوصول إلى آلاف المسافرين العالقين.
وقال طيارون ومصادر في قطاع الطيران والأمن إن تزايد الصراعات، من أوكرانيا إلى أفغانستان وإسرائيل، فرض ضغوطاً إضافية على الطيارين، إذ باتوا مضطرين للتحليق في ممرات جوية أكثر ازدحاماً والتعامل مع وجود الطائرات العسكرية المسيّرة حتى بعيداً عن مناطق القتال. وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط النفسية عليهم أثناء محاولتهم الحفاظ على سلامة الرحلات.
وأكدت الطيارة تانيا هارتر، رئيسة رابطة قمرة القيادة الأوروبية، أن الطيارين المدنيين لم يتدربوا على مواجهة تهديدات عسكرية في الجو، مشيرة إلى أن شركات الطيران بدأت بتطبيق برامج دعم نفسي للطيارين في ظل تصاعد المخاطر.
ويرى خبراء أن أمن المجال الجوي تراجع خلال العامين ونصف العام الماضيين بسبب ازدياد النزاعات، إلى جانب استخدام تقنيات تضليل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وانتشار الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأجبرت هذه التهديدات بعض الرحلات على تغيير مسارها أو العودة، إذ عادت طائرة تابعة لشركة إير فرانس كانت في طريقها لإجلاء رعايا فرنسيين من الإمارات بسبب إطلاق صواريخ، كما حوّل طيار في شركة لوفتهانزا مسار رحلة من الرياض إلى القاهرة نتيجة مخاوف أمنية.
وفي الشرق الأوسط، قال الكابتن محمد عزيز، المدير العام للطيران المدني في لبنان، إن الطيارين في المنطقة اعتادوا التعامل مع حالات الطوارئ نتيجة الأزمات المتكررة، لكن التصعيد الحالي يضع تلك المهارات تحت اختبار حقيقي.
كما أشار طيار في شركة طيران الشرق الأوسط إلى أن المسارات الجوية إلى بيروت أصبحت أكثر تعقيداً، حيث كان الطيارون سابقاً يحلقون على ارتفاعات أعلى لتجنب خطر الصواريخ المحمولة على الكتف، وغالباً ما تحمل الطائرات وقوداً إضافياً تحسباً لتغيير مسارها.
ولا تقتصر المخاطر على الشرق الأوسط، إذ أصبحت الطائرات المسيّرة منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 سلاحاً رئيسياً في الصراعات، كما تسببت في اضطرابات بالمطارات الأوروبية من ستوكهولم إلى ميونيخ. ويشير طيارون إلى أن صغر حجم هذه الطائرات يجعل اكتشافها صعباً، بينما قد يؤدي اصطدامها بمحركات الطائرات إلى تعطيلها بالكامل أو إلحاق أضرار خطيرة بالأجنحة.
وتكمن المشكلة في أن معظم الطائرات المدنية تبث إشارات تعريف للرادار، بينما لا تفعل الطائرات المسيّرة ذلك، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة. كما أن أجهزة الرادار التقليدية في المطارات لا تستطيع رصدها بسهولة، في حين أن أنظمة الكشف المتخصصة غالباً ما تشغلها جهات أمنية أو عسكرية.
ووفق شركة ديدرون المتخصصة في تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة، سُجل أكثر من 1.2 مليون انتهاك لقواعد الطيران بطائرات مسيّرة في الولايات المتحدة خلال عام 2025، مع توقع زيادة هذا العدد في السنوات المقبلة.
ويقول خبراء إن خيارات المطارات في مواجهة هذه التهديدات محدودة، إذ يمكن استخدام أجهزة الرادار وأدوات التشويش لتشتيت الطائرات المسيّرة، لكن لا يمكن إسقاطها بسبب مخاطر السلامة. وفي كثير من الحالات، يبقى الحل الوحيد هو إغلاق المطار مؤقتاً.
وقد أدى ظهور الطائرات المسيّرة بالفعل إلى إغلاق بعض أكبر المطارات في العالم، مثل ميونيخ وجاتويك في لندن خلال العام الماضي، ما دفع الجهات المشغلة إلى تعزيز أنظمة كشف الأجسام الغريبة والطائرات المسيّرة.
ويروي أحد الطيارين أنه شاهد جسماً صغيراً يشبه بالوناً مزوداً بهيكل أسفل طائرته أثناء اقترابه من الهبوط في مطار أوروبي، حيث مر الجسم أسفل الطائرة مباشرة لبضع ثوانٍ فقط. ويؤكد أن مثل هذه المواقف لا تترك وقتاً كافياً للمناورة، قائلاً إن الطيارين في مثل هذه الحالات لا يملكون الكثير مما يمكنهم فعله لتجنب الاصطدام.