هي آخر الحروب التي سترسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، لكنها تمثل مخاضاً عسيراً للدول المشاركة فيها، سواء بشكل دفاعي أو قسري، وعلى وجه الخصوص لبنان، الذي سيظل يدفع الثمن حتى تنقشع غيوم الميدان وتتضح الصورة.
في لبنان، الذي أدخله حزب الله في الحرب بإطلاق ستة صواريخ على تل أبيب، تتقدم الأحداث الميدانية على الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد على الجبهة الجنوبية. ومع تعثر هذه الجهود، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة، تحاول التوازن بين الانزلاق إلى حرب واسعة والاحتفاظ بالاشتباكات ضمن حدود محدودة.
شهدت الأيام الأخيرة ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية ونوعيتها، ما يعكس استعداداً لتوسيع المواجهة إذا دعت الحاجة، مع وضع خطوط حمراء غير معلنة بين الأطراف. في المقابل، يتركز الجهد الدبلوماسي على منع انفجار شامل، إلا أن النتائج لا تزال محدودة.
القلق الأكبر يكمن في احتمال تصاعد التصعيد عبر ضرب أعمق داخل الأراضي اللبنانية واستخدام أسلحة أكثر فتكاً، ما قد يؤدي إلى سقوط ضحايا إضافيين. هذا السيناريو، رغم كونه تحت السيطرة نسبياً، يزيد من احتمال انزلاق غير مقصود نحو حرب واسعة.
المحلل السياسي أنطوان عيسى من واشنطن يرى أن كل أبواب الحراك الدبلوماسي مغلقة، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تتراجعا خطوة واحدة إلى الوراء. ويقول إن الحرب لن تتوقف إلا بعد إسقاط النظام الإيراني وتفكيك حزب الله، مشيراً إلى أن الرئيس السوري لن يدخل قواته إلى الأراضي اللبنانية لتجنب تقديم ذريعة للحزب بالتصعيد.
تتصاعد المخاوف من سيناريوهين محتملين: اجتياح بري أوسع للجنوب اللبناني، أو تفاقم التصدعات الداخلية التي قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة أو مواجهة أهلية. ومع ذلك، يرى عيسى أن الاجتياح البري ليس وارداً حالياً، والتوغل الحالي يقتصر على مناطق محددة لضمان أمن إسرائيل وعدم الاستحواذ على الأراضي.
ويشير إلى أن قيادة حزب الله تتبع الحرس الثوري الإيراني، وأن نهايته ستكتب مع سقوط النظام الإيراني وتوقف الإمدادات العسكرية والمالية، لكن العملية ستستغرق وقتاً وستحمل أثماناً كبيرة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة لتحديد ما إذا كان سيتم تثبيت قواعد اشتباك طويلة الأمد، أم استمرار المواجهات المحدودة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الاشتباكات المحدودة مع استنزاف تدريجي للبنان، ما قد يؤدي إلى تفلّت أمني محدود وتآكل تدريجي للاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل النزوح والانقسامات السياسية والطائفية.
وبالتالي، يبقى التحدي الأكبر ليس فقط على الجبهة الجنوبية، بل في قدرة لبنان على الصمود داخلياً دون أن ينهار تحت ضغط النزوح والانقسام، وسط معركة مستمرة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.