
مواطنون أمام مبنى متضرر، بعد دخول وقف إطلاق النار المبرم بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ لمدة 10 أيام، في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
منذ الاتفاق على وقف إطلاق النار، يعيش اللبنانيون حالة ترقب في انتظار ما ستؤول إليه الأمور، على أمل ألا تعود الحرب مجدداً. النازحون عادوا إلى قراهم لتفقّد منازلهم، وهناك من وجدها ركاماً، فلم يعد شيء كما كان، والدمار في كل مكان.
وفي مقارنة مع أرقام الحرب السابقة، بلغ عدد الوحدات السكنية المدمّرة والمتضررة نحو 230 ألف وحدة خلال سنتين وثلاثة أشهر. ورغم أن الحصيلة الإجمالية آنذاك تبقى أعلى، فإن اللافت اليوم هو تسارع وتيرة الدمار بشكل غير مسبوق، إذ يُنفّذ خلال فترة زمنية قصيرة وبكثافة أكبر، مع استهداف واسع يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى تدمير كامل للأبنية والأحياء السكنية.
وتشكّل “مجازر الأربعاء الأسود” نموذجاً صارخاً على هذا النمط التصاعدي، بعدما خلّفت الغارات الإسرائيلية، خلال عشر دقائق فقط، دماراً هائلاً، يعكس حجم العنف وكثافة الاستهداف في المرحلة الراهنة.
وفي السياق، وصف المجلس الوطني للبحوث العلمية حجم الدمار المتصاعد في لبنان بـ”التصعيد غير المسبوق”، في توصيف يعكس بدقة حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع السكني خلال 35 يوماً فقط من عودة الحرب الإسرائيلية. وخلال شهر واحد، سُجّل أكثر من 5200 اعتداء، وفق معطيات المجلس للفترة الممتدة من 2 آذار حتى 2 نيسان 2026.
وبحسب التقرير، تضرّرت نحو 40 ألف وحدة سكنية تدميراً كلياً أو جزئياً خلال 35 يوماً، أي بين 2 آذار و7 نيسان 2026. وتشير الأرقام إلى أن مجموع الأبنية المتضررة بشكل كبير أو المدمّرة بالكامل بلغ 37,836 وحدة، مقسوماً على 35 يوماً، ما يعني أن وتيرة الاستهداف بلغت، في المعدل، نحو 1081 وحدة سكنية يومياً.
ويمثّل هذا الرقم نحو 16% من إجمالي الأضرار المسجّلة خلال المراحل السابقة من الحرب، الممتدة من تشرين الأول 2023 حتى 27 تشرين الثاني، ثم من 27 تشرين الثاني حتى آذار 2026.
ومع سريان وقف إطلاق النار، أحصى المركز الوطني للبحوث العلمية تضرّر وتدمير أكثر من 50 ألف وحدة سكنية جراء العمليات الإسرائيلية خلال الحرب.
وأشار أمين عام المجلس الوطني للبحوث العلمية، شادي عبدالله، إلى أنه “في حدود 46 يوماً من الحرب، هناك 17,756 وحدة سكنية مدمّرة و32,668 وحدة سكنية متضررة”.
في هذا الإطار، يقول عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، صادق علوية، في حديث لصوت بيروت إنترناشونال: “شهدت الأسابيع الخمسة الأخيرة من الحرب، قبل الاتفاق على وقف إطلاق النار، وتيرة دمار غير مسبوقة”.
وأضاف، لجهة حجم الدمار: “لغاية 7 نيسان، تاريخ بدء وقف إطلاق النار، أصبح مجموع عدد الوحدات السكنية التي تضررت بشكل كامل من الحرب السابقة والحالية ما يوازي 231 ألف وحدة سكنية متضررة بشكل كامل أو جزئي، منها ما يقارب 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشكل كلي أو جزئي في هذه الحرب، بين 2 آذار و7 نيسان”.
أما لجهة البنى التحتية، فأشار علوية إلى أن التدمير في الجسور والخدمات العامة والمرافق العامة مهول، وتقدّره الجهات الرسمية بما يوازي 8 مليارات دولار، بالحد الأدنى، معتبراً أن حجم الخسائر الاقتصادية لا يمكن احتسابه بمعزل عن الخسائر البشرية، التي تُعد أيضاً خسائر في العنصر البشري، أحد أهم عناصر الإنتاج.
ولفت إلى أن الأبنية والبنى التحتية التي تدمرت، والتي احتاجت إلى أكثر من ثلاثين عاماً لبنائها، تحتاج إلى ما يزيد عن عشر سنوات لإعادة بنائها، إن توفرت الأموال.
وحول القرى التي تدمرت بالكامل أو بشكل شبه كامل عبر التفخيخ أو القصف المكثف في هاتين الجولتين من الحروب، أوضح علوية أنها تصل إلى 40 قرية.
ورداً على سؤال حول قدرة الاقتصاد على التعافي بعد انتهاء الحرب، قال علوية: “في حال الاتفاق على وقف إطلاق نار دائم، سيبدأ الاقتصاد في إعادة بناء نفسه تلقائياً وبنمو بسيط، إلا أن ما يسرّع نمو الاقتصاد هو عنصر إعادة الإعمار، الذي يُعد أساساً بنيوياً لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية”.