
وسط بيروت
بعد التوصل إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، يبدأ لبنان بنفض الغبار عما أصابه من دمار وخسائر، على أمل أن نشهد مرحلة جديدة مليئة بالأمن والاستقرار والتعافي.
وفيما يتعلق بحجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن الحرب، فإن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والبنك الدولي، بالإضافة إلى سائر المؤسسات المالية الدولية والمحلية، يعتمدون حالياً المقاربة ذاتها التي اعتُمدت في حرب عام 2024 (والتي استمرت 66 يوماً)؛ حيث أشار البنك الدولي في بيان له آنذاك إلى أن تكلفة حرب 2024 بلغت 14 مليار دولار، مقسمة بين خسائر مباشرة بقيمة 6.8 مليارات دولار، وخسائر غير مباشرة تقارب 7.2 مليارات دولار.
وإذا قسنا الحرب الحالية مقارنة بالحرب الماضية، فإن التكلفة الإجمالية ــ وكما صرح وزيرا المالية والاقتصاد ــ تناهز 20 مليار دولار، لكن في رأي عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والخبير الاقتصادي الدكتور أنيس بو دياب فإن الكلفة الحقيقية تتجاوز هذا الرقم لتصل إلى ما بين 24 و25 مليار دولار.
ويقول في حديث لصوت بيروت إنترناشونال: “وفقاً لآخر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للدراسات، فإن هناك أكثر من 177,000 وحدة سكنية في جنوب لبنان تضررت ما بين دمار جزئي وكامل، وتقدر كلفة إعادة إعمارها بمليار و830 مليون دولار. أما بالنسبة لنسبة الدمار في القرى، فهناك حوالي 46 قرية متضررة، من بينها 30 قرية مدمرة بشكل شبه كامل، لافتاً أن كلفة الحربين معاً تتجاوز بلا شك حاجز 20 إلى 25 مليار دولار لأسباب متعددة، مباشرة وغير مباشرة.”
الأسباب المباشرة للدمار
هنا يتحدث بو دياب عن الدمار الذي لحق بالمنازل والبنى التحتية وشبكات الطرق، والخدمات الأساسية، والمؤسسات الإنتاجية، مشيراً إلى تضرر المؤسسات الاقتصادية، ولا سيما الزراعية والصناعية منها وهو الأمر الأشد خطورة.
القطاع الزراعي
تحدث بو دياب عن خروج نحو 22.5% من المساحات الزراعية في لبنان عن إطار الخدمة والإنتاج، موضحاً عندما يتضرر القطاع الزراعي، فإننا نتحدث عن دمار مواسم كاملة تحتاج إلى سنة كاملة على الأقل لإعادة النهوض بها.
أما بشأن الوحدات السكنية المدمرة بالكامل، فيقول بو دياب: “تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 177,000 وحدة في الجنوب، يضاف إليها عدد كبير في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو أمر يحتاج إلى دقة ومسح ميداني شامل؛ إذ لم يصدر حتى اليوم أي مسح واقعي وتفصيلي يغطي كافة الأضرار على الأرض.”
ورداً على سؤال حول المدة الزمنية المطلوبة لإعادة الإعمار، اعتبر بو دياب أن عملية إزالة الركام معضلة أساسية وكبيرة، وهي تتطلب أكثر من 6 أشهر من العمل المتواصل (بمعنى 6 أشهر من العمل الفعلي دون توقف، دون احتساب أيام التعطيل أو الظروف المناخية القاسية).
أما إعادة بناء البنى التحتية والمنازل فهي تتطلب مدة زمنية لا تقل عن 3 سنوات، فالأمر ليس بهذه البساطة والسهولة، فضلاً عن اعتماده الأساسي على توفر التمويل.
وردّاً على سؤال حول مصادر التمويل لإعادة الإعمار في ظل عجز الدولة اللبنانية، أكد بو دياب أنها “لا تملك القدرات المالية الذاتية لإعادة الإعمار، على الرغم من تصريح معالي وزير المالية بوجود 600 مليون دولار جاهزة لإعادة تشغيل البنى التحتية، إلا أننا نتحدث في الواقع عن حاجة فعلية تتجاوز 11 مليار دولار تضخ مباشرة في الأسواق لإعادة إطلاق الاقتصاد وترميم البنى التحتية.”
ويقول “نحتاج إلى الحضن العربي والمؤسسات المالية الدولية، وهذا يتطلب تطبيق الإصلاحات البنيوية وهو الشرط الأساسي الذي تطلبه الدول المانحة، ويشمل إصلاح القطاع المصرفي وإصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد ووقف الهدر المالي، وبالتالي لكي تساهم الدول في إعادة الإعمار نحتاج إلى تطبيق هذه الشروط إضافة إلى تنظيم مؤسسات الدولة، وتطبيق شروط الاستقرار السياسي والأمني، ووقف إطلاق النار وبسط سيادة الدولة وسلطتها على كامل أراضيها، بما في ذلك حصرية السلاح بيد الشرعية.”
هل يتعافى الاقتصاد اللبناني؟
رأى بو دياب إن تعافي الاقتصاد اللبناني هو حتمية ومصير؛ إذ لا خيار آخر أمامنا، وإلا سنمضي نحو سيناريوهات أكثر سوداوية. لذلك، نحن محكومون بالوصول إلى اتفاق واستقرار يعيدان الحياة إلى دورتنا الاقتصادية.
متوقعاً إذا ما تحقق الاستقرار الأمني اليوم، ووُضع قطار الإصلاحات على السكة الصحيحة، فإن بوادر الانفراج الاقتصادي ستظهر في غضون 6 أشهر، “فالمنظومة الاقتصادية اللبنانية تمتلك ديناميكية عالية جداً، لا سيما في القطاع الخاص،
وبعد التوصل إلى اتفاقية فعلية تضمن التزام الأطراف كافة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، فسنشهد تحولاً إيجابياً سريعاً ينعكس مباشرة على مواسم الأعياد والمغتربين، فإن إمكانية النهوض السريع واعدة وقائمة، لكنها تظل مشروطة بتوفر المعطيات الأساسية: الاستقرار الأمني، الاستقرار الاقتصادي، الاستقرار القضائي، وبسط سيادة الدولة اللبنانية”.