
وزير العدل عادل نصار
نظّمت ندوة حول مشروع قانون إلغاء عقوبة الاعدام في لبنان بدعوة من السفارة الايطالية، بالتعاون مع مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان UHCHR والهيئة اللبنانية للحقوق المدنية LACR،في حضور السفير الايطالي في لبنان فابريستو مارتشيللو، وزير العدل عادل نصار، رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية ميشال موسى، مؤسسة الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الاعدام في لبنان أوغاريت يونان وحقوقيين ومهتمين، في مقر السفارة الايطالية -بعبدا طريق القصر الجمهوري.
واستهل اللقاء بكلمة للسفير الايطالي فابريستو مارتشيللو، رحّب في مستهلها بالحاضرين، وقال: “يشرفنا أن نستضيف نقاش اليوم بالتعاون مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والجمعية اللبنانية للحقوق المدنية، وجامعة اللاعنف وحقوق الإنسان. وأتوجه بالشكر الحار إلى جميع شركائنا الذين جعلوا هذه المبادرة ممكنة، ولا سيما أولئك الذين عملوا، على مدى سنوات طويلة، بعزم وقناعة لإبقاء قضية إلغاء عقوبة الإعدام على جدول الأعمال العام في لبنان.
ثم كانت كلمة لوزير العدل عادل نصار، قال فيها :”أتحدث إليكم اليوم بشعور عميق من خيبة الأمل والإحباط، ولكن أيضاً بعزيمة لا تتزعزع.أتحدث إليكم بخيبةٍ من النوع الذي قد يزرع الشك، ولكن بقناعة راسخة بأن الرداءة يجب ألّا تنتصر أبداً. وحتى حين يبدو أنها تحقق تقدماً، علينا أن نواصل مقاومتها إلى أن ننتصر. أتحدث إليكم مستحضراً كلمات أديب أكنّ له إعجاباً كبيراً، ألبير كامو، الذي كتب بحكمة: “ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً”. أعتذر من كامو، لكنني لست سعيداً. ومع ذلك، سيبلغ سيزيف هدفه في نهاية المطاف، لأننا نرفض الاستسلام للقدر المحتوم”.
أضاف: “إن اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام، الذي تقدّم به في الأساس عدد من النواب وأقرّته اللجنتان النيابيتان، قد عُطّل بعدما تعمّدت كتلة نيابية، كانت من بين الجهات التي تقدّمت به وأعلنت علناً تأييدها له، التسبّب بفقدان النصاب. لا يوجد أي تفسير يمكن أن يبرّر مثل هذه المناورة. فقانون بهذه الأهمية للبنان، ولدوره منارةً للحقوق الأساسية في هذه المنطقة المضطربة من العالم، كان يستحق تعاملاً أفضل بكثير.لكننا لن نستسلم.لن نتراجع. لن نحني رؤوسنا. ولن نفقد الأمل”.
وأكد نصار أننا “سنواصل هذه المعركة، وكل معركة من أجل الإصلاح والتقدّم، بعزيمة لا تلين، وأن جلسة نيابية أخرى ستُعقد، وكما فعلنا خلال الجلسة السابقة، سنبذل، الدكتور موسى وأنا، كل ما في وسعنا لضمان إدراج اقتراح القانون هذا في طليعة بنود جدول أعمال مجلس النواب”، مشددا على أن “عزيمتنا لا تزال راسخة لا تتزعزع.وسيُقرّ هذا القانون، لأن على لبنان أن يلغي عقوبة الإعدام. عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من الفظائع التي تعرّض لها.عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من الحروب والجرائم والأعمال الإرهابية.عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من التدخلات الأجنبية الدنيئة.عليه أن يفعل ذلك، لأن هذه هي رسالته.عليه أن يفعل ذلك، لأنه يعرف أكثر من أي بلد آخر معنى أن يَقتل الإنسان وأن يموت.وعليه أن يفعل ذلك، مع الحفاظ على رفض مطلق للجريمة.وعليه أن يفعل ذلك، مع تعاطف راسخ لا يتزعزع مع ضحايا أبشع الجرائم.يجب ألّا تعود جمهوريتنا تقرّر أن إنساناً ما ينبغي أن يموت.ويجب أن يدين نظامنا القضائي الموت، لا أن يلجأ إليه”.
واشار إلى أنه “ينبغي أن يوضع أي إنسان يوماً أمام المعضلة الرهيبة المتمثلة في تقرير ما إذا كان شخص آخر سيحيا أم سيموت.إن الوضع الإنساني في حدّ ذاته يشكّل حجةً لإلغاء عقوبة الإعدام.فالقاضي إنسان يحكم على أناس مثله، ويجب ألّا ينسى القاضي ذلك أبداً. إن سلب إنسان حريته ليس عقوبة متساهلة.كما أن إنهاء حياة إنسان لن يمنح عائلة الضحية عزاءً. للضحايا الحق في المطالبة بالعدالة، ومن واجب الدولة أن تحقّق لهم هذه العدالة، وإن إلغاء عقوبة الإعدام لا ينتقص من المساءلة، بل يرفض الموت أداةً للمساءلة”. وقال :”علينا أن نطالب بالعدالة، لا بالموت. فالموت لا يشفي الجراح.لقد عانى لبنان كل أشكال الجريمة.وعانى لبنان، ولا يزال يعاني، ظلماً.نحن نعرف كلفة المعاناة. ومع ذلك، لن نطالب بالموت.لأن الانتقام وإراقة الدماء لا يحلّان شيئاً. فهما لا يجلبان السلام، بل يزيدان الألم مرارةً، وقال جوليان غرين ذات مرة: “لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالموت، لأننا لا نعرف ما هو الموت”.يجب ألّا نضيف مجهولاً آخر إلى كل أوجه عدم اليقين التي تحيط أصلاً بشخصية الجاني وبمسار العملية القضائية”.
ولفت إلى أن “لبنان عقوبة الإعدام. وسيفعل ذلك في وقت أعاد فيه بعضهم، في الشرق الأوسط، تطبيق هذه العقوبة بصورة انتقائية، فيما يستخدمها آخرون لإسكات خصومهم السياسيين. ولبنان مقدّر له أن يكون مختلفاً في هذا الجزء من العالم. فقد صمدت فيه الحرية والحياة والتنوّع والديمقراطية، على الرغم من الرياح المعاكسة التي لم تهدأ”.
واعتبر البساط أن “كثيراً ما أصبحت السياسة، في لبنان كما في غيره، مرادفاً للتهكّم وانعدام الثقة. لكن السياسة ستستعيد نُبلها. يشبه اللبنانيون أرزتنا: فجذعها هو الثقافة المشتركة التي أنتجها تفاعل الطوائف، وأغصانها تعكس تنوّعنا. فإذا قطعتم الجذع ماتت الشجرة، وإذا قطعتم الأغصان غدت الشجرة عارية.الجذع والأغصان ملتزمون بالحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية”.
وختم نصار: “يستحق الشعب اللبناني منّا ألّا نستسلم أبداً.كتب بول فاليري: “الريح تهبّ؛ لا بدّ أن نحاول أن نحيا”.وسنواصل الحياة، مهما اشتدّت الرياح”.
موسى
ثم تحدث النائب ميشال موسى، وقال :”اليوم، أتحدث إليكم اليوم دفاعاً عن الإلغاء الكامل وغير المشروط لعقوبة الإعدام في تشريعاتنا. لم ينفذ لبنان أي حكم بالإعدام منذ السابع عشر من كانون الثاني عام 2004. وعلى مدى أكثر من اثنين وعشرين عاماً، عشنا عملياً في ظل وقف لتنفيذ أحكام الإعدام. لقد اتخذنا بالفعل، من دون أن نعلن ذلك صراحة، الخطوة الحاسمة. واليوم، حان الوقت لترسيخ هذا الواقع في القانون، وتحويل هذه الممارسة إلى مبدأ دستوري وقانوني. إن إلغاء عقوبة الإعدام ليس علامة ضعف، بل هو دليل على القوة الأخلاقية والنضج الديمقراطي”.
اسمحوا لي أن أطرح أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى: إن عقوبة الإعدام تتعارض مع حقوق الإنسان ومع القيم اللبنانية. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ساهم لبنان في صياغته عام 1948، يؤكد منذ مادته الثالثة الحق غير القابل للتصرف في الحياة. وعقوبة الإعدام تنتهك هذا الحق الأساسي. كما أنها تشكل معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة، بما يخالف المادة الخامسة من الإعلان ذاته.
في وطننا، أرض العيش المشترك والقيم المسيحية والإسلامية، تُعد الحياة مقدسة. فهل يعقل أن تحتفظ الدولة بحق القتل بصورة قانونية؟ إن الدولة التي تحظر القتل لا يجوز لها أن ترتكب بنفسها الفعل الذي تعاقب عليه. إنها مفارقة أخلاقية لا يمكن احتمالها.
الحجة الثانية: إن عقوبة الإعدام غير فعالة ولا تحمي المجتمع. فقد أثبتت أهم الدراسات الدولية، التي أجرتها الأمم المتحدة والعديد من معاهد علم الإجرام، أن عقوبة الإعدام لا تحقق أثراً رادعاً يفوق أثر السجن المؤبد. بل إن الجرائم الخطيرة تقع بالوتيرة نفسها، إن لم تكن أكثر، في الدول التي تطبقها. وفي لبنان، فإن اعدام شخص مدان بعد سنوات من الانتظار لا يحل شيئاً. فهو لا يعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يردع المجرمين المنظمين الذين يدركون في كثير من الأحيان أنهم قادرون على الإفلات من العدالة. إن الحماية الحقيقية تكمن في إصلاح النظام القضائي، وتعزيز القوى الأمنية، ومكافحة الفقر والإقصاء، اللذين يشكلان البيئة الحاضنة الحقيقية للجريمة.
الحجة الثالثة: الخطر الذي لا رجعة فيه للخطأ القضائي. فالعدالة البشرية قابلة للخطأ، ونحن جميعاً نعلم ذلك. وفي نظامنا القضائي، الذي تعتريه ضغوط سياسية وطائفية، واعترافات تُنتزع أحياناً تحت الإكراه، وتحقيقات غير مكتملة، يكون هذا الخطر أكبر. كم من الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام في لبنان أمضوا سنوات وهم ينتظرون تنفيذ الحكم؟ إنهم يعيشون محنة نفسية حقيقية ودائمة. وماذا لو كان أحدهم بريئاً؟ لن يكون بإمكاننا أبداً تصحيح مثل هذا الخطأ. لذلك فإن الإلغاء يقضي نهائياً على هذا الخطر اللاإنساني.
الحجة الرابعة: إن عقوبة الإعدام تمييزية وتكرس أوجه عدم المساواة. ففي بلدنا، كما في غيره، تطال عقوبة الإعدام بصورة غير متناسبة الفئات الأكثر فقراً، ومن لا يستطيعون تحمل كلفة دفاع قانوني جيد، والأجانب، وبعض الفئات المجتمعية. أما أصحاب النفوذ، أو المجرمون السياسيون، أو الذين يتمتعون بالحماية، فكثيراً ما يفلتون من العقوبة القصوى”.
وأكد موسى، أن “الإبقاء على عقوبة الإعدام يعني، بالتالي، القبول بعدالة ذات مستويين” وقال :”إن إلغاءها سيرسل رسالة واضحة مفادها أن الكرامة الإنسانية ليست موضع تفاوض، أياً كانت الجريمة المرتكبة أو الوضع الاجتماعي للمتهم. كما سيعزز مصداقية نظامنا القضائي في نظر العالم وفي نظر الشعب اللبناني نفسه”.
أضاف: “قد يجادل البعض بضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة، كالإرهاب، والقتل العمد مع سبق الإصرار، والاغتصاب الذي يعقبه القتل. وأجيبهم بكل احترام: إن المجتمع الحديث يمتلك الوسائل الكفيلة بحماية مواطنيه من دون اللجوء إلى الإقصاء الجسدي. فالسجن المؤبد الحقيقي، من دون إمكانية الإفراج المبكر في الجرائم الأشد خطورة، يشكل عقوبة صارمة ومتناسبة بما فيه الكفاية. وإن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق. فقد تقدمت عدة قوى سياسية، إلى جانب المجتمع المدني، ومنه الجمعية اللبنانية للحقوق المدنية ومنظمات أخرى، باقتراحات عملية. وسيكون إلغاء عقوبة الإعدام انتصاراً لجميع القوى الديمقراطية في البلاد. كما سيوجه رسالة قوية تعكس التحديث والالتزام بحقوق الإنسان، في وقت يسعى فيه وطننا إلى إعادة بناء نفسه واستعادة الثقة الدولية. إننا، بإلغاء عقوبة الإعدام، لا نعبر عن سذاجة، بل نؤكد أن العدالة يجب أن تكون إنسانية، وإصلاحية كلما أمكن، وحامية للمجتمع في جميع الأحوال. ونؤكد أن الدولة اللبنانية تختار الحياة، حتى في مواجهة أولئك الذين سعوا إلى تدميرها”.
وختم موسى :”لذلك، أدعوكم، زملائي الأعزاء، إلى دعم مشروع هذا القانون. صوّتوا لمصلحة الإلغاء. وليقف لبنان، مرةً وإلى الأبد، في صف الدول التي اختارت التقدم الأخلاقي. فالتاريخ لن يحكم علينا بقدرتنا على إنزال عقوبة الموت، بل بقدرتنا على حماية حياة كل إنسان وكرامته. عاش لبنان.وعاشت عدالة تليق بشعبنا”.