
علما إيران وأمريكا
مع استمرار الصراع بين إيران و أميركا لا شك أننا أمام مرحلة دقيقة جداً على المستوى الجيوسياسي والاقتصادي، لأن الصراع لم يعد محصوراً بين دولتين بل أصبحت له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة والنقل البحري وأسعار النفط والغاز.
في السياق يقول خبير النفط والغاز فريد زينون في حديث لصوت بيروت أنترناشونال: ما يقلق الأسواق اليوم ليس فقط حجم الإنتاج النفطي الذي قد يتوقف، بل أيضاً أمن طرق الإمداد، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم ،لافتاً إلى تراجع عبور السفن في المضيق بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة، ما يزيد من المخاوف المتعلقة بالإمدادات.
و أشار إلى أن سعر خام برنت وصل إلى نحو 91 دولاراً للبرميل، بينما يدور خام غرب تكساس الوسيط حول 85 دولاراً، موضحاً أن الارتفاع الحالي مرتبط بشكل أساسي بتراجع الآمال بالتوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني سريع، وبالمخاطر المحيطة بحركة الملاحة في المنطقة، مؤكداً أن سعر النفط لا يتحرك فقط وفق العرض والطلب التقليديين، بل أصبح اليوم يتأثر بدرجة كبيرة بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”، أي أن الأسواق تدفع سعراً إضافياً تحسباً لأي تطور عسكري أو أمني قد يؤدي إلى نقص في الإمدادات.
و توقع رداً على سؤال بأننا سنشهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط إذا استمر إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز، متخوفاً إذا استمر الاضطراب لفترة طويلة واتسعت دائرة المواجهة، فإن الضغط لن يكون فقط على سعر النفط الخام، بل على المشتقات النفطية أيضاً، وخصوصاً الديزل والفيول ووقود الطائرات.
والأخطر وفقاً لزينون أن أزمة المشتقات قد تكون أكبر من أزمة النفط الخام نفسه، لأن الأسواق العالمية تعاني أصلاً من ضغوط على طاقات التكرير، إذ تشير التحليلات الحالية إلى أن أسعار الديزل يمكن أن تبقى مرتفعة حتى في حال تراجع سعر الخام، بسبب محدودية الإمدادات ومشاكل التكرير والنقل.
و لا يستبعد زينون أن يصل سعر برميل النفط إلى 100 دولار للبرميل ويقول: أن الوصول إلى 100 دولار ليس مستحيلاً، لكنه ليس أمراً حتمياً، فإذا حصل تصعيد كبير وأدى إلى تعطيل طويل للإمدادات أو الملاحة في مضيق هرمز، فإن تجاوز 100 دولار يصبح سيناريو واقعياً، أما إذا حصل اتفاق سياسي وبدأت حركة الملاحة والإمدادات بالعودة إلى طبيعتها، فمن الممكن أن نشهد تراجعاً سريعاً في علاوة المخاطر وانخفاضاً في الأسعار.
لذلك أقول دائماً إن القرار السياسي والعسكري اليوم أصبح جزءاً من معادلة تسعير النفط.
وحول انعكاس كل ذلك على لبنان أوضح زينون أن لبنان دولة مستوردة للطاقة، وبالتالي فإن أي ارتفاع عالمي في أسعار النفط ينعكس عاجلاً أو آجلاً على السوق اللبنانية، خصوصاً على المازوت والبنزين والفيول وكلفة النقل والكهرباء والصناعة، لأن المشكلة الأساسية بالنسبة إلينا هي كلفة الاستيراد والنقل والتأمين وسعر الصرف والأسعار العالمية، مشدداً على ضرورة أن تتعامل الدولة مع المرحلة بمنطق استباقي، وليس انتظار الأزمة ثم البحث عن الحلول، مطالباً الحكومة والوزارات المعنية، وخصوصاً وزارة الطاقة، بوضع خطة طوارئ للطاقة، تتضمن:
-متابعة حركة ناقلات النفط والغاز بشكل يومي.
-المحافظة على مخزون استراتيجي وآمن من المشتقات النفطية خصوصا عبر مستودعات طرابلس والزهراني.
-تأمين مصادر استيراد متعددة وعدم الاعتماد على مسار واحد.
-التنسيق بين القطاعين العام والخاص من شركات الاستيراد والتوزيع لمنع حصول أي نقص أو طوابير في السوق اللبنانية.
و أكد أن لبنان يستطيع تأمين حاجاته إذا بقيت خطوط الإمداد مفتوحة وتمت إدارة المخزون بصورة صحيحة، لكن الخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع السعر، وإنما في سوء إدارة الأزمة وقيام البعض بالتخزين أو الاحتكار أو استغلال خوف المواطنين، لافتاً أن الاستقرار في سوق المحروقات في لبنان يبدأ من تأمين الإمدادات، ومنع الاحتكار، ووجود خطة طوارئ واضحة وشفافة.