
الجيش الإسرائيلي يقوم بسلسلة تفجيرات عنيفة استهدفت مشاع بلدة المنصوري جنوب لبنان
كتبت صحيفة “العربي الجديد”: يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، بالتزامن مع غموض يحيط بموعد الجولة المقبلة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وسط تأكيد أميركي على ضرورة استمرار المسار التفاوضي، وتمسّك لبنان بخيار الحوار باعتباره السبيل الأفضل لتجنّب تجدد الحرب.
ومنذ ساعات صباح الأربعاء، نفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة عمليات عسكرية في الجنوب، شملت قصفاً مدفعياً وغارات جوية وعمليات تجريف وتفجير، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة والحربية في الأجواء اللبنانية، وصولاً إلى بيروت وضواحيها.
واستهدف القصف المدفعي بلدة المنصوري في قضاء صور، فيما نفذت القوات الإسرائيلية عمليات تجريف في بيوت السياد وتفجيرات في مجدل زون ومدينة بنت جبيل. كما طال القصف دوحة كفررمان وتلة علي الطاهر ووادي السلوقي وأطراف ميفدون، في حين شنت الطائرات الحربية غارات على أطراف النبطية الفوقا، وسُجّل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بلدة حداثا.
ويأتي ذلك في وقت لم يُحسم فيه بعد موعد الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، كما لم يتم الاتفاق على منطقة تجريبية ثانية، أو الجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ الترتيبات فيها، إضافة إلى مصير القوة التي ستخلف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” بعد انتهاء ولايتها في نهاية عام 2026.
واشنطن: مسار روما سيستأنف في سبتمبر
وفي هذا السياق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ”العربي الجديد” إن المسار السياسي للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما سيُستأنف خلال سبتمبر/أيلول المقبل، على أن تستمر الاتصالات والمباحثات بين الجانبين خلال الفترة الفاصلة.
وأكد المتحدث أن واشنطن تدعم بشكل كامل سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وتواصل الضغط من أجل إعادة انتشار مشروطة ومرتبطة بنزع سلاح “حزب الله”، داعياً جميع الأطراف إلى الالتزام بالإطار المتفق عليه.
واعتبر أن آلية “المناطق التجريبية” لا تزال المسار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق السلام والأمن الدائمين للبنان وإسرائيل، مشيراً إلى أن مجموعة التنسيق العسكري للبنان ستواصل العمل لضمان تنفيذ الترتيبات المتعلقة بالمنطقة التجريبية الأولى.
في المقابل، قالت مصادر رسمية لبنانية إن موعد الجولة المقبلة في روما لم يُحدّد رسمياً حتى الآن، مشيرة إلى وجود حراك أميركي للدفع باتجاه تحديده. وأكدت أن لبنان متمسك بخيار التفاوض، لكنه يطالب في الوقت نفسه إسرائيل بتنفيذ التزاماتها ووقف اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية.
وأضافت المصادر أن استمرار العمليات العسكرية يهدد اتفاق الإطار الموقع في 26 يونيو/حزيران الماضي، ويعرقل استكمال انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتنفيذ خطته لحصر السلاح.
عيسى: المفاوضات لم تتوقف
وبرز موقف السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، الذي أكد بعد لقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى أن المفاوضات لم تتوقف، واصفاً المحادثات الجارية في روما بأنها “تقنية” ولا تحتاج بالضرورة إلى مواعيد ثابتة.
وأشار عيسى إلى وجود تقدم في ملف “المناطق التجريبية”، موضحاً أن ما يتم الاتفاق عليه على الورق يحتاج إلى وقت حتى يُترجم ميدانياً.
وحول التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، قال إن الاعتداءات مستمرة خارج المنطقة التجريبية، وإنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق لوقفها، رابطاً ذلك بعدم التزام “حزب الله” بما وصفه بوقف إطلاق النار.
ورداً على سؤال حول إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة بين واشنطن و”حزب الله”، قال عيسى إن الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض معه “إذا كان لديه شيء يقدمه”.
كما أشار إلى أنه لا يحب استخدام تعبير “أيلول الأسود”، مؤكداً أن واشنطن تترقب ما سيحدث في منطقة علي الطاهر خلال اليومين المقبلين.
عون: لا خيار إلا التفاوض
من جهته، جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون تمسكه بالمفاوضات، مؤكداً أن قرار الدخول فيها اتُخذ لتجنب “الويلات والمآسي التي سببتها الحرب”.
وقال عون إن المفاوضات ليست سهلة وسريعة، وتواجه عراقيل وصعوبات، لكنها “تبقى أفضل بكثير من الحرب”، مشدداً على أن الأهداف اللبنانية تتمثل في تحرير الجنوب، ونشر الجيش حتى الحدود، واستعادة الأسرى، وعودة الأهالي، وإعادة الإعمار.
وأكد أن هذه الأهداف “لا يمكن تحقيقها بالحرب”، وبالتالي “لا خيار إلا التفاوض”.
وشدد عون كذلك على أن بناء الوطن مسؤولية مشتركة، وأن مصلحة لبنان يجب أن تكون فوق أي مصلحة شخصية، لافتاً إلى أن الحكومة اتخذت إجراءات في إطار الإصلاحات الاقتصادية والمالية، لكنها لم تكن كافية، وأن الحرب بددت الآمال بتحقيق نمو اقتصادي أكبر خلال العام الحالي.
روما تدعم الجيش اللبناني
وفي سياق متصل، اختتم قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل زيارة رسمية إلى إيطاليا استمرت ثلاثة أيام، بحث خلالها مع نظيره الإيطالي الجنرال لوتشيانو بورتولانو آخر التطورات وسبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.
وأكد بورتولانو أن استقرار لبنان يمثل أولوية استراتيجية لإيطاليا، مشدداً على أهمية دعم الجيش اللبناني ودوره في الحفاظ على الأمن والاستقرار.
كما تناولت المحادثات مستقبل “اليونيفيل” ودور البعثة العسكرية الإيطالية في لبنان، إضافة إلى اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان.
وتلقى هيكل اتصالاً من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الذي أكد استمرار دعم بلاده للجيش اللبناني، فيما شدد أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، خلال لقائه هيكل، على ضرورة إرساء السلام في لبنان ودور الجيش في حماية أمن البلاد.
ويأتي هذا الحراك السياسي والدبلوماسي في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، ما يضع المسار التفاوضي أمام اختبار صعب، بين الضغوط الأميركية لاستئناف مفاوضات روما، وتمسك لبنان بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتطورات الميدانية المتسارعة ولا سيما في منطقة علي الطاهر.