
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يتحدث بجوار لافتة تحمل شعار قمة مجموعة العشرين بينما يستمع إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعمدة ميامي فرانسيس سواريز في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن .رويترز
يواجه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت اختبارا كبيرا لمهاراته في الدبلوماسية الاقتصادية هذا الأسبوع، مع سعيه إلى حشد دعم مسؤولي المالية في دول مجموعة العشرين لتعزيز النمو وتقليص اختلالات التجارة العالمية، إلى جانب الضغط لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، بينما يحاول تهدئة المخاوف بشأن ارتفاع الدين الأمريكي وعوائد سندات الخزانة.
وكان بيسنت قد غاب عن اجتماعات مجموعة العشرين العام الماضي في جنوب أفريقيا، لكنه يسعى هذا العام إلى إعادة صياغة دور المجموعة تحت قيادة واشنطن، بما يخدم رؤية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاقتصاد العالمي.
ويعقد وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين اجتماعاتهم غدا الاثنين وبعد غد الثلاثاء في مدينة أشفيل بولاية نورث كارولاينا، وسط حالة من عدم اليقين بشأن الخطوات المقبلة لإدارة ترامب المتعلقة بالرسوم الجمركية، وتصاعد الخلاف التجاري مع كندا، فضلا عن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية بفعل الحرب مع إيران.
وأبقت الحرب مضيق هرمز مغلقا، مما أثر سلبا على النمو الاقتصادي في معظم دول مجموعة العشرين. وحذر بيسنت من أن الدول التي تواصل شراء النفط الإيراني أو تسهيل معاملات أخرى مع طهران ستواجه عقوبات أمريكية ثانوية. وكان قد فرض يوم الجمعة قيودا على فروع لبنك مصر في الإمارات بسبب تعاملات مرتبطة بإيران، ومصر عضو في مجموعة العشرين.
ومن المتوقع أن تزيد هذه الضغوط من الخلافات داخل المجموعة التي تضم الصين وروسيا، والتي تواجه أصلا صعوبة في التوصل إلى مواقف مشتركة بشأن القضايا الاقتصادية، حتى بعيدا عن التوترات الجيوسياسية، مثل الحرب في أوكرانيا.
وقال جوش ليبسكي، رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، إن بيسنت سيحرص على وضع إيران في صدارة جدول الأعمال والترويج لتشديد العقوبات عليها، بينما سترغب دول عديدة في التركيز على قضايا أخرى، وفي مقدمتها الرسوم الجمركية.
وتسعى إدارة ترامب إلى إعادة فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق بعدما ألغت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم التي فرضها الرئيس بموجب قانون الطوارئ الوطنية في فبراير شباط، وذلك من خلال الاستناد إلى سلطات قانونية أخرى.
وفي يوليو تموز، فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية تراوحت بين 10 و12.5 بالمئة على 60 اقتصادا، بينها جميع دول مجموعة العشرين والاتحاد الأوروبي، في إطار إجراءات قالت واشنطن إنها مرتبطة بالتساهل في تطبيق حظر العمل القسري.
كما تواجه 16 دولة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، أكثر من نصفها أعضاء في مجموعة العشرين، احتمال فرض رسوم إضافية في إطار تحقيق تجاري منفصل يستهدف ما تعتبره واشنطن فائضا في الطاقة الإنتاجية الصناعية.
تقليص الاختلالات التجارية
تشكل الرسوم الجمركية جزءا محوريا من جهود إدارة ترامب لمعالجة الاختلالات التجارية العالمية. وقال مسؤول كبير في وزارة الخزانة إن هذه الاختلالات ناجمة عن سياسات حكومية مشوهة تعرقل المنافسة العادلة، ومن المتوقع أن تكون من أبرز الموضوعات المطروحة في اجتماعات أشفيل.
وقال مسؤول أوروبي مشارك في الاجتماعات إن الدول الأوروبية حريصة على بحث الزيادة الكبيرة في تدفق الصادرات الصينية، والتي تهدد قطاعات صناعية عدة، من بينها صناعة السيارات.
وفي ظل ضعف الطلب المحلي، كثفت الصين صادراتها من السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وسلع أخرى، وارتفع إجمالي صادراتها 23.9 بالمئة على أساس سنوي في يوليو تموز.
ومع ارتفاع الرسوم الأمريكية والحظر الكامل على السيارات الصينية في الولايات المتحدة، اتجهت كميات أكبر من الصادرات الصينية إلى أوروبا، مما عزز الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي إلى فرض قيود أكثر صرامة على الواردات الصينية.
لكن الصين لم تبد اهتماما كبيرا بالدعوات المستمرة إلى تقليص الدعم الحكومي للصناعة وإعادة توجيه اقتصادها من الاعتماد على الصادرات نحو تعزيز الاستهلاك المحلي. ويقدر صندوق النقد الدولي أن اليوان الصيني أقل من قيمته الحقيقية بنحو 21 بالمئة.
ويرى خبراء اقتصاديون في المقابل أن الولايات المتحدة أبدت اهتماما محدودا بالجانب الآخر من المعادلة، والمتمثل في خفض كبير لعجزها المالي، وهو ما من شأنه تقليص الطلب على الواردات.
وتجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار في 19 أغسطس آب، بعدما تضاعف منذ عام 2017 خلال فترتي رئاسة ترامب وفترة الرئيس جو بايدن، مما زاد مخاوف الأسواق بشأن المسار المستقبلي للدين.
وبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما أعلى مستوى له في 19 عاما خلال الشهر الجاري، لكن بيسنت فاجأ الأسواق بإعلانه زيادة عمليات إعادة شراء السندات الأطول أجلا إلى أربعة مليارات دولار لكل عملية، مما أدى إلى انخفاض العوائد لفترة وجيزة.
وامتدت تحركات بيسنت إلى أسواق العملات، من خلال تدخل أمريكي مشترك مع اليابان في الأول من أغسطس آب لدعم الين، إلى جانب عمليات شراء للبيزو الأرجنتيني في أكتوبر تشرين الأول 2025.
ويأتي الدفع الأمريكي نحو تعزيز النمو العالمي، والذي قال مسؤول في وزارة الخزانة إنه يستند إلى تقليص القيود التنظيمية وزيادة إنتاج الطاقة ودعم الابتكار في القطاع الخاص، ضمن مسعى لإعادة مجموعة العشرين إلى أهدافها الاقتصادية الأساسية.
وكانت المجموعة قد ركزت في السنوات الأخيرة على ملفات طرحتها الدول المضيفة؛ إذ دفعت جنوب أفريقيا العام الماضي نحو مناقشة أزمة المناخ، بينما طرحت البرازيل في 2024 مقترحات لزيادة الضرائب على الأثرياء.
وتأسست مجموعة العشرين كمنتدى على مستوى القادة خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، بهدف تنسيق الإجراءات لإنهاء أكبر ركود اقتصادي منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وكان آخر تحرك اقتصادي جماعي كبير للمجموعة خلال جائحة كوفيد-19 في 2020، عندما اتفقت الدول الأعضاء على ضخ خمسة تريليونات دولار إضافية في الاقتصاد العالمي للتخفيف من خسائر الوظائف والدخل.