الجمعة 29 ربيع الأول 1448 ﻫ - 11 سبتمبر 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

الجنوب بين نار الاحتلال ومسار التفاوض.. وإسرائيل ترسم وقائع أمنية جديدة

الانباء
A A A
طباعة المقال

كتبت صحيفة «الأنباء» الإلكترونية: في تصعيد جديد جنوباً، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات قال إنها استهدفت شبكة أنفاق وبنى تحتية تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن جيشه دمّر ما وصفه بـ«أكبر ترسانة إيرانية خارج إيران»، مؤكداً استكمال تثبيت السيطرة العملياتية على المرتفعات فوق الأرض وتحتها، ومشدداً على بقاء القوات الإسرائيلية في المنطقة.

وقال نتنياهو إن المواقع المستهدفة كانت تضم غرف قيادة ومخازن أسلحة ومهاجع ومنشآت لوجستية تحت الأرض، في خطوة تعكس استمرار إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب.

وفي وقت تؤكد فيه السفارة الأميركية في بيروت استمرار المسار الدبلوماسي والتفاوضي، وتشدد على دعم سيادة الدولة اللبنانية وعودة قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها، تبدو الصورة على الأرض أكثر تعقيداً، في ظل استمرار القصف والتفجير والهدم والتجريف الإسرائيلي. وبين مسار التفاوض والوقائع التي تفرضها العمليات العسكرية، تتشكل ملامح جديدة لمستقبل الجنوب ولبنان والمنطقة.

وكانت السفارة الأميركية قد أكدت أن اللبنانيين يفضلون مؤسسات الدولة على سلاح «حزب الله»، وأن جنوب لبنان «لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات»، في تأكيد للموقف الأميركي الداعي إلى حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية.

غير أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على استعادة سيادتها في ظل غياب ضمانات عملية تمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها أو توسيع نطاقها، خصوصاً مع تحول مناطق واسعة من الجنوب إلى مساحات مكشوفة عسكرياً.

وفي النبطية الفوقا والمنصوري وبني حيان وزوطر الشرقية وغيرها، لا تبدو التطورات وكأنها مرتبطة فقط بانتظار نتائج المفاوضات أو الترتيبات السياسية، بل تشير الوقائع الميدانية إلى إعادة صياغة الجغرافيا الأمنية للجنوب. وما شهدته المنصوري خلال الأيام الماضية من تفجيرات وعمليات هدم متواصلة يثير مخاوف من تجاوز استهداف مواقع عسكرية محددة إلى جعل مناطق كاملة مكشوفة أمام الرصد والسيطرة بالنار.

وتتعزز هذه المخاوف مع ما تعتبره مصادر متابعة تحولاً في التعامل الإسرائيلي مع ما يسمى «الخط الأصفر»، من كونه خطاً ثابتاً إلى منطقة عمليات قابلة للتوسع وفق التطورات العسكرية. ولا تبدو هذه السياسة منفصلة عن الرؤية الإسرائيلية الأوسع التي عبّر عنها نتنياهو من جبل الشيخ، حين تحدث عن نطاق أمني إسرائيلي يمتد من جبل الشيخ باتجاه نهر اليرموك والبحر المتوسط، مؤكداً أن إسرائيل لن تسمح بقيام ما تصفه بـ«جيش إرهابي» على حدودها. كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تمسكه بالبقاء في المنطقة الأمنية السورية.

ويعكس ذلك تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، من التركيز على الدفاع عن الحدود إلى توسيع نطاق السيطرة والعمق الأمني. فإسرائيل لا تبدو في وارد انتظار انتهاء الحرب للعودة إلى قواعد ما قبلها، بل تسعى إلى الدخول إلى مرحلة ما بعد الحرب بوقائع ميدانية جديدة، وتحويل تفوقها العسكري إلى أوراق تفاوضية وسياسية طويلة الأمد.

في المقابل، يتمسك لبنان بالمسار التفاوضي، فيما يستمر البحث في تحديد موعد جديد للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بالتوازي مع التحضيرات الفرنسية لعقد الاجتماع التمهيدي الدولي لدعم الجيش والقوى الأمنية في باريس في 17 أيلول، بمشاركة أميركية وأوروبية وعربية وخليجية، وسط توقعات بمشاركة نحو 15 إلى 20 دولة.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها في حال نجحت باريس في تحويل الاجتماع من مناسبة سياسية إلى آلية عملية لتأمين احتياجات الجيش وتعزيز قدراته. وكانت الرئاسة اللبنانية قد أكدت أن الهدف يتمثل في توفير المعدات والتدريب وبناء القدرات وفق حاجات المؤسسة العسكرية.

غير أن دعم الجيش لا ينفصل عن البيئة الأمنية والسياسية التي يعمل فيها. فالجيش قادر على الانتشار وتعزيز حضوره، والدولة قادرة على استعادة حضورها الإداري والخدماتي، لكن أي انتشار فعّال في الجنوب يحتاج إلى بيئة تسمح للمؤسسات الرسمية بأداء مهماتها. ولذلك لا يقتصر التحدي على حجم الدعم الدولي للجيش، بل يتصل أيضاً بمدى استعداد المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، للضغط من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهاء الاحتلال والانسحاب.

وفي هذا السياق، تبرز دعوة رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام مجلس الوزراء إلى أن «يعود الأوان للدولة إلى الجنوب»، مؤكداً أن الجنوب جزء أساسي من لبنان وأن مسؤولية جميع الوزارات الوقوف إلى جانب أهله. كما شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أهمية حضور الجيش ومؤسسات الدولة في الجنوب، باعتباره عاملاً أساسياً لتعزيز الثقة والاطمئنان لدى المواطنين.

واتخذ مجلس الوزراء مجموعة من القرارات التي تصب في هذا الاتجاه، أبرزها منع البيوعات العقارية في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، في خطوة تحمل أهمية خاصة في ظل المخاوف من تحول الاحتلال العسكري إلى تغيير عقاري طويل الأمد.

ولا يمكن للبنان، في المقابل، فصل التطورات الجنوبية عن المشهد الإقليمي الأوسع، في ظل تصاعد التوتر في اليمن والبحر الأحمر بالتزامن مع التصعيد في مضيق هرمز.

وتحدثت تقارير عن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا والتقدم على الساحل الغربي باتجاه جزر حنيش القريبة من باب المندب. وفي حال تثبيت هذا الواقع ميدانياً، فإن التطور يتجاوز حدود الحرب اليمنية ليصبح جزءاً من صراع أوسع على خطوط الملاحة والطاقة.

وفي هذا الإطار، حذّر الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من «الحصار المتزايد على دول الخليج»، ومن سياسة إقفال باب المندب والعبث بأمن المملكة العربية السعودية، داعياً إلى العودة إلى مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية والخروج من الأزمة عبر التفاوض.

ويعني تصاعد التوتر في البحر الأحمر، بالتوازي مع المواجهة في مضيق هرمز، أن أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة العالمية باتت مترابطة ضمن معادلة واحدة. وتتمثل المخاوف في أن يتحول باب المندب إلى جبهة رديفة لمضيق هرمز، بما يوسع تداعيات التصعيد لتشمل أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وانعكس هذا التوتر على أسعار النفط، التي قفزت بنحو 6 في المئة، مع تجاوز خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من اتساع نطاق الهجمات على الناقلات. وفي مضيق هرمز، استمرت الهجمات المتبادلة على السفن والناقلات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الممر الحيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية في الحرب الأميركية ـ الإيرانية.

وفي المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة تحتاج إلى إعادة الاعتبار للمفاوضات والاتفاقات القابلة للتنفيذ، بعيداً من الخرائط التي تُفرض بالنار والمناطق العازلة والاحتلالات التي قد تتحول من وقائع مؤقتة إلى ترتيبات دائمة، فضلاً عن ضرورة تعزيز الدور العربي في حماية الأمن القومي العربي ومنع تحويل دول المنطقة وممراتها البحرية إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات.

أما في لبنان، فالمعادلة التي تبرز بوضوح تتمثل في دعم عودة الدولة وتعزيز دور الجيش وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الرسمية. غير أن استكمال السيادة يبقى مرتبطاً بإنهاء الاحتلال وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وبمنع تحول المفاوضات إلى غطاء زمني يسمح بتثبيت وقائع عسكرية جديدة.

وبينما تؤكد واشنطن استمرار المسار الدبلوماسي، تفرض الوقائع الميدانية نفسها في الجنوب. وبينما تستعد باريس لاجتماع دعم الجيش، تتواصل التفجيرات الإسرائيلية. وبينما يجري البحث عن ترتيبات أمنية جديدة، يواصل نتنياهو طرح رؤيته الأمنية انطلاقاً من جبل الشيخ. وفي الوقت الذي يدعو فيه جنبلاط إلى وقف النار والعودة إلى التفاوض، يتصاعد التوتر في باب المندب وهرمز، بما يضع المنطقة بأكملها أمام اختبار جديد.