
فؤاد زمكحل
وقال: “كل الأنظار تتركز اليوم على المساعدات الدولية المتوقعة والتي يتأمل فيها البعض: أذكر بأنها ليست المرة الأولى التي يواجه خلالها لبنان أزمة تعثر مالي صعبة، لكن هذه المرة يواجه وطننا أزمة مالية ونقدية وإقتصادية وإجتماعية لا مثيل لها.
من البديهي أن نرجع الى الوراء ونركز على المؤتمرات الدولية التي نظمت لمساعدة لبنان، أبرزها في العام 2001، بحيث إنعقد مؤتمر “باريس-1” لمعالجة أزمة السيولة والدين العام، في حضور الأقطاب اللبنانيين الأساسيين، وممثلي البلدان المانحة، وقد حصل لبنان في نتيجة المؤتمر على إستثمارات بمليار دولار في حينه.
ثم عقدت 4 إجتماعات أثناء الفراغ الدستوري في لبنان أبرزها: إجتماع روما في العام 2008 حيث حصل لبنان في نتيجته على وعود بمليار ونصف مليار دولار، و3 إجتماعات في بروكسيل في العامين 2018 و2019، وإجتماع لندن حيث حصل لبنان في نتيجته بوعود بـ 3 مليارات دولار، وقد توج هذا الإهتمام الدولي بتنظيم مؤتمر “سيدر” في باريس حيث حصل لبنان نتيجته بوعود بـ 12 مليار دولار”.
لم يتحقق وعد واحد من الدولة اللبنانية، كما لم يجر إصلاح واحد قدمته كل الحكومات المتتالية تجاه الجهات الدولية والبلدان المانحة، على سبيل المثال لا الحصر: إعادة هيكلة الدولة، ترشيق حجمها، تنفيذ إصلاح الكهرباء، وقف الإهدار، محاربة الفساد، مراقبة المرافيء البرية والبحرية والجوية، وتحسين التحصيل الضريبي وغيرها من الوعود والإصلاحات المطلوبة والمرجوة.
وسأل: هل يمكن المجتمع الدولي أن يثق مرة جديدة، بالطبقة السياسية الحاكمة الموجودة، والتي دمرت لبنان خلال الحرب الأهلية على مدى 15 عاما (1975 – 1990)، مساعدات مالية كي تهدرها مجددا؟
أقول، لسوء الحظ، بالطبع لا، لأن المجتمع الدولي من الصعب عليه دعم لبنان مرة أخرى، في حال إستمرت الطبقة الحاكمة عينها، والتي تقوم بالإهدار نفسه وتتصرف وفق طريقة تفكيرها نفسها”.
وقال: “المجتمع الدولي يدرك أوجاعنا ويتابع من قريب ادارتنا، لكن في الوقت عينه، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، لأنه من الصعب جدا بعد توفير كل هذه الإستثمارات للبنان على مدى السنوات الماضية بمبالغ طائلة (تفوق الـ 50 مليار دولار) أن يكتشف هذا المجتمع الدولي أن هذه الأموال هدرت بالفساد، والدليل على ذلك، أننا لم نستطع بناء النظام الإقتصادي السليم والحديث، ولا البنى التحتية الملائمة للشعب اللبناني من كل هذه الأموال التي تلقاها لبنان أخيرا.
ولفت الى ان “صندوق النقد الدولي، ليس جمعية خيرية، بل إنه مؤسسة إستثمارية كبيرة وبنك تمويلي عملاق، لديه طريقة تفكير علمية معينة، ويزور لبنان نحو ثلاث مرات في السنة، بطريقة مستدامة ولديه مكتب فيه، ويعرف الوقائع اللبنانية بالتفاصيل”.
كذلك اليونان التي تعرضت للإفلاس التام، وعلى رغم أنها من ضمن دول الإتحاد الأوروبي الذي يضم بلدانا غنية مع إمكانات مالية كبيرة، تلقى مساعدات من صندوق النقد الدولي بنحو 32 مليار دولار، على مدى 8 سنوات، لكن هذه المساعدات جاءت في مقابل إصلاحات جذرية وقاسية رضخت لها اليونان حتى تاريخه”.
وتابع: “بناء عليه، في حال إستطاع لبنان أن يحصل على المساعدات من صندوق النقد الدولي، فإنه لن يحصل على أكثر من مليارين او 3 مليارات دولار، مع ان تمنياتنا القلبية أن يكون الرقم أكبر بكثير، على رغم المفاوضات والإجتماعات التي ستأخذ وقتا كثيرا بين الحكومة اللبنانية والمسؤولين في الصندوق. وهذا يعني أن أمامنا مسارا طويلا وصعبا وشائكا.
ليس علينا أن نتشاءم أو نتفاءل، لكن أن نكون واقعيين وموضوعيين، إذ بحسب الوقائع التي تحدثنا عنها قبلا، من الصعوبة بل من المستبعد أن يحصل لبنان على المساعدات المالية الدولية ما لم يكن قد قام بالإصلاحات الضرورية للقطاع العام. ويبقى السؤال الجوهري: لماذا وصلنا إلى هذا الحد من التدهور، ونحن بلد معروف عنه أننا نصدر شبابنا وثقافتنا ونجاحاتنا إلى الخارج؟”.
لتوفير الكهرباء بواسطة المولدات الخاصة، وهي كلفة مزدوجة. فإصلاح الكهرباء (في ما لو تحقق) يوفر مبلغ الملياري دولار (الهدر السنوي) التي يمكن أن تستثمر بمساعدات صحية أو إجتماعية في لبنان، وبذلك نقدم الى المجتمع الدولي مثلا حيا على أننا قمنا بإصلاح واحد، وخصوصا الكهرباء التي تمثل حتى تاريخه الفشل الأكبر للدولة”.
وأضاف: “إن الحلول المقترحة حيال مشروع الكهرباء أبرزها الخصخصة، ونحن كنا كقطاع خاص، من أكبر المطالبين بخصخصة القطاع، أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص المسماة بالـ Private Public Partnership – (PPP)، ولكن بتنا حذرين في الحديث عن هذا المشروع اليوم، لأننا نخشى أن تحصل الخصخصة المشار إليها بواسطة المسؤولين أنفسهم بإستثمار اموال الفساد المهربة، كما حصل في بلدان أخرى، فنكون قد إستبدلنا ونقلنا الفساد الأول إلى فساد آخر.
وفي حال بدأنا بإصلاح الكهرباء، فإننا نكون قد بدأنا توفير المبلغ المهدور: ملياري دولار في السنة، وإستثماره في قطاعات إنتاجية اخرى، وهكذا نكون بدأنا نستعيد الثقة الداخلية والدولية بلبنان. لكن في حال إستمررنا في سياسة التسول، فإننا، لسوء الحظ، لن نجد أحدا يقدم الينا يد المساعدة، أو يدعمنا من دون الأسس الإصلاحية، لأن الإصلاح بات العنصر الجوهري الأول الذي ينبغي أن يسبق أي مساعدة دولية”.
وختم: “لدينا قدرات كبيرة، وموارد بشرية ماهرة ومن ذوي الكفايات العالية، لكن علينا أن نساعد أنفسنا قبل أن يساعدنا الآخرون. علينا المثابرة والتضحية والتمسك بالأمل والشغف، لاننا لم ولن نستسلم مهما كانت الظروف المالية والإقتصادية صعبة”.