
من خلف “الموجبات” التي أمْلتْ على “حزب الله” الإنتقال إلى “خطوط الدفاع” السياسي والتبرير للمسار الذي أنهى المعركة ضدّ “داعش” على الحدود اللبنانية – السورية بتوفير “ممرّ آمن” لإنتقال مسلّحي التنظيم الارهابي إلى دير الزور، فإن هذا الأمر لم يحجب الاتجاه الواضح لدى الحزب للتعاطي مع مغازي إنهاء أي وجود للجماعات الإرهابية على طول هذه الحدود على أنه انتصار لـ”محور المقاومة”، مع سعيٍ للبناء على هذا المعطى الاستراتيجي داخلياً وإقليمياً.
واكتسبتْ مصادفة إعلان “حزب الله” “أبوّته” لـ”التحرير الثاني” مع زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لباريس حيث التقى أمس الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، دلالاتٍ بالغة الأهمية، لا سيما ان الحريري يحاول توظيف الانتصار الذي حقّقه الجيش اللبناني في تحرير الجرود الشرقية (رأس بعلبك والقاع) في سياق مسار استعادة الدولة قدراتها باعتبارها الحامية الوحيدة للبنان وتعزيز مطالبته للدول الكبرى باستمرار دعم الجيش وتسليحه.
ورغم أن ملف النازحين السوريين في لبنان شكّل عنواناً رئيسياً في محادثات الحريري في باريس التي بدأت أول من امس وشملتْ كبار المسؤولين، إلا أن تحرير الجرود حضر بقوّة أيضاً وسط رمزية كبيرة عبّر عنها كلام رئيس الحكومة عن أن “الدولة والشعب والجيش هم مَن حققوا الإنتصار وهناك من يحاول إستغلاله”، في ردّ غير مباشر على اعتبار الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ان “التحرير الثاني” يكرّس معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”.
وفيما كان بارزاً تزامُن لقاء ماكرون – الحريري مع ما نقلتْه صحيفة “الشرق الأوسط” عن مصادر سوريّة معارِضة، من أن نظام بشار الأسد أصدر قراراً بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لكل من الحريري والنائب في كتلته عقاب صقر في سوريا ، فإنّ أوساطاً سياسية مطلعة ترى أن العنوان السوري يرجّح أن يكون في صدارة المشهد اللبناني في الفترة المقبلة وسط رغبة من “حزب الله” وحلفائه في استثمار ما اعتبره انتصاراً لمحوره في الدفع نحو تطبيع العلاقة بين لبنان الرسمي ونظام الأسد .
وحسب هذه الأوساط، كان لافتاً تعمُّد نصرالله في خطاب “التحرير الثاني”- بحسب تعبيره، أول من أمس، تبرير الصفقة غير المسبوقة مع “داعش” بأنها أتتْ تحت ضغط الحاجة إلى بتّ مصير العسكريين اللبنانيين التسعة الذين كان أسَرهم التنظيم الإرهابي العام 2014، ملاحِظة في الوقت نفسه أنه قام بـ”تجيير” كشْف مصير هؤلاء الى الرئيس السوري بشار الأسد الذي تَقبّل “حرَج” الموافقة على الصفقة من أجل لبنان “بعدما زرتُه في الشام وطلبتُ منه ذلك”، حسب ما قال نصرالله .
واعتبرت الأوساط نفسها أنه من خلف الحرص الذي أبداه نصرالله على التهدئة الداخلية والحفاظ على الحكومة، فإنه أعطى إشارة واضحة الى وجوب استعادة العلاقات مع النظام السوري ولو من باب “كي لا يَظهر لاحقاً بأننا ملحقون أو تابعون ونلحق غيرنا، الذين (فتحوا) على النظام”، لافتة الى ان كلام الأمين العام لـ”حزب الله” يلاقي ما كان دعا إليه حليفه في “الثنائي الشيعي” رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر الأربعاء الماضي.
وإذا كان بري وفي معرض الدعوة إلى تبديد مناخ الاحتقان الداخلي الذي رافق الصفقة مع “داعش” ونبْش ملف أحداث عرسال 2014 رفَض استعادة ملابسات تلك الأحداث مُدافِعاً عن الرئيس السابق للحكومة تمام سلام وقائد الجيش السابق العماد جان قهوجي (كانا في موقع المسؤولية في تلك المرحلة)، فإن المفاجئ كان أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون طلب في كلمته في ذكرى إعلان “لبنان الكبير” (مساء أول من أمس) من السلطات المختصة إجراء التحقيقات الضرورية اللازمة لتحديد المسؤوليات في القضية التي طاولت القوى المسلحة اللبنانية، وذلك “لكشف الغموض والإلتباس القائم منذ ثلاثة أعوام، واحتراماً للحقيقة كقيمة إنسانية مطلقة، واحتراماً لشهادة الشهداء ومعاناة أهلهم”.
وجاء كلام عون في ملاقاة دعوة مماثلة كان أطلقها قبل أيام السيد نصرالله في سياق الدفاع عن الصفقة مع “داعش”، وسط علامات استفهام حيال الارتدادات السياسية لاستحضار ملف أحداث عرسال “بمفعول رجعي” اليوم وإمكان أن يؤثر ذلك في العلاقة بين رئيس الجمهورية والرئيس الحريري الذي كان انبرى غداة الهجوم على سلام الى إعلان “لحدّ هون وبسّ”، علماً أنه لم تتضح بعد آليات المحاسبة التي تحدّث عنها عون ولا المشمولين بها ولا حتى إذا كانت تطول السماح لقتَلة العسكريين بالخروج الآمن في إطار الصفقة الأخيرة مع “داعش”.
المصدر الراي الكويتية