الخميس 18 ذو الحجة 1447 ﻫ - 4 يونيو 2026 |

برامج

شاهد آخر حلقاتنا اونلاين

طقوس الاستحمام التاريخية... معان عميقة بين القوة والضعف

على مرّ التاريخ، كانت طقوس الاستحمام ولا تزال مشبعة بالكثير من المعاني والدلالات العميقة. ففي اليونان القديمة، كانت الحمامات مكاناً للرجال للاغتسال بعد ممارسة الرياضة أو تبادل النقاشات الفلسفية، بينما في العصور الوسطى، توقف الرجال والنساء في أوروبا عن الاستحمام تماماً، خوفاً من انتشار المرض.

وحلت العطور ومراهم التطهير محل البخار والماء، بزجاجات مزينة بشكل متقن تربط الترف بالصحة. وفي فترة الستينيات والسبعينيات، أصبحت الحمامات في مدينة نيويورك ملاذات آمنة للرجال مثليي الجنس للاسترخاء، والتواصل، والبحث عن المتعة.

ونشأت عبارة “النظافة من التقوى” من خطبة من القرن الثامن عشر، ولكن العلاقة بين النظافة الجيدة والنقاء الديني تعد قديمة.

ورغم أنه في مصر القديمة، تظهر الآثار المعمارية أن الرجال والنساء قد استحموا معاً، فقد تم فصل الإغريق والرومان القدماء بحسب الجنس. وتُظهر صور روتين الاستحمام في أعمالهم الفنية رجالًا رياضيين عراة يزيلون الأوساخ عن أجسادهم بعد تمرين شاق، بينما يعرض روتين النساء على أنه أكثر خصوصية، إذ في بعض الأحيان كن يرتدين ملابس أو عاريات، ويقفن حول مرجل الماء.

وكان الإغريق والرومان القدماء يحرصون على النظافة، ولكن أتباع الديانة المسيحية الأوائل مثل القديس أوغسطينوس في القرن الرابع “كان لديهم حذر من الأشياء سريعة الزوال”، وكان أحدها الجسد بالتأكيد، وفقاً لما كتبته فاوكورت.

وبحلول العصور الوسطى، عارضت الكنيسة بشدة “الأخلاق الفاسدة” للحمامات، والتي لم تعد تفصل بين الرجال والنساء، وغالباً ما كانت تسهل الدعارة.

وبدايةً من القرن الرابع عشر، أصبح وباء الطاعون، الذي انتشر وتضاءل في جميع أنحاء أوروبا، في النهاية ناقوس الموت للاستحمام لمئات السنين.

وفي القرن السادس عشر، ساد الاعتقاد بأن تبخير الجلد أو غمره في الماء يفتح المسام للأمراض، لذلك أغلقت حمامات البخار العامة، واتخذ الناس إجراءات تطهير بدون ماء، ووضع المراهم على القدمين واليدين والفم والأعضاء التناسلية. وتم إخفاء الروائح بالعطور وأصبحت الزجاجات المزينة بشكل متقن رموزاً لمكانة الأثرياء.

كما قام الأثرياء بتكليف الأعمال الفنية حول الاستحمام كذلك، والاستفادة من فناني الروكوكو بما في ذلك جان أنطوان واتو، وفرانسوا بوشيه، لرسم شخصيات نسائية عارية تغسل نفسها على نطاق واسع.

وبحلول القرن التاسع عشر، بدأ الاستحمام بالعودة إلى أوروبا وأمريكا، مدفوعاً بمعرفة جديدة من علماء الأحياء الدقيقة الذين حددوا الجراثيم والفوائد الصحية للصابون، ولكن الأمر استغرق حتى نهاية القرن قبل أن يتمكن أي شخص باستثناء الأثرياء من شراء غرف كاملة مخصصة لهذه الممارسة.

واستغرق الأمر أجيالاً أيضاً لدحض فكرة أن غمر النفس في الماء قد يؤدي إلى الإصابة بالأمراض. ومع ذلك، كانت المواقف الأوروبية تجاه الاستحمام بعيدة كل البعد عن كونها عالمية.

وتشير فاوكورت إلى أنه في الشرق الأوسط كانت هناك تقلبات أقل في المواقف المحيطة بالاستحمام. ومن الإمبراطورية العثمانية حتى اليوم، ظل الحمام التركي شائعاً، على الرغم من تراجع استخدامه العملي مع ظهور الحمامات المنزلية.

ولطالما كانت للحمامات آثار سياسية أيضاً، وفي روما القديمة، كانت بمثابة مجمعات مترامية الأطراف للتواصل الاجتماعي، ولكنها كانت أيضاً مواقع ذات روعة معمارية باهظة الثمن “عملت على تأسيس وتأكيد قوة الإمبراطور”، حسبما ذكره المنسق هندريك بوندج في كتاب “الجسد. النظرة. القوة”.

ومع ذلك، يعتبر حوض الاستحمام في المنزل من أكثر الأماكن ضعفاً. وكتب بوندج: “عندما تكون عارياً، تكون ضعيفاً؛ ولهذا السبب فإن مشهد الاستحمام في فيلم سايكو لألفريد هيتشكوك يعد مروعاً للغاية”.

وبعد قرن ونصف، خلال الحرب العالمية الثانية، اعترف المصوران الصحفيان لي ميلر وديفيد إي شيرمان أن حوض الاستحمام موقع يمكن فيه تخريب السلطة واحتكارها من خلال التصوير الفوتوغرافي.

وفي 30 أبريل/ نيسان من عام 1945، وهو اليوم الذي تم فيه تحرير ميونيخ من الحكم النازي، دخلت ميلر وشيرمان شقة هتلر الفارغة، والتُقطت صورة لميلر في حوض الاستحمام الخاص بهتلر.

    المصدر :
  • CNN عربي