
تروي مصادر الإدارة الأميركية أنه لما وجّه كبار المسؤولين فيها أسئلة إلى وكالات الإستخبارات حول ما إذا كانت إيران متعاونة حسب الإتفاق النووي ، أجابت الإستخبارات الأميركية: “لا نعرف”. ودار أخذ ورد بين الحكومة ووكالات إستخباراتها حول هذه “الفجوة” في المعلومات الأميركية، على الرغم من أن هدف الإتفاقية كان التوصل إلى نظام صارم لا يدع مجالاً للشك حول نشاطات ايران النووية.
وتواصلت واشنطن مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، التي زارتها في فيينا الموفدة الأميركية الدائمة إلى الأمم المتحدة نيكي هايلي ، وقدمت للوكالة أسئلة شبيهة بتلك التي طلبت إجابات حولها من الإستخبارات الأميركية، فجاء الرد الدولي مشابها: “في معلوماتنا حول تجاوب ايران مع الإتفاقية فجوات لا نستطيع بموجبها الاجابة عن أسئلتكم”.
خلف هذه الاسئلة وانعدام الإجابات عنها المشكلة نفسها التي أعاقت التوصل للاتفاقية بين إيران والمجموعة الدولية على مدى أشهر، وهو إصرار إيران على ابقاء ما تسميها “مواقع سيادية”، مثل القواعد العسكرية وبعض المقار الحكومية، خارج نظام التفتيش.
ولأن إيران كانت في الماضي “كذبت”، حسب الأميركيين والأوروبيين ، عندما أقامت منشأة “فوردو” النووية المحصنة تحت الجبال بالقرب من مدينة “قم” من دون أن تبلّغ “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، قبل أن تكتشفها الإستخبارات الغربية بـ”إخبارية” من المعارضين الإيرانيين ، ولأن الوكالات الغربية تجمع على أن الإيرانيين قاموا بتجارب نووية تركت آثاراً مشعة في منشأة “بارشين” العسكرية، لا تثق واشنطن بالايرانيين، وتعتقد أنه على الرغم مما قد يبدو تجاوباً مع الاتفاقية، إلا أن طهران قد تكون في طريقها إلى تطوير هندستها وتجاربها النووية والصاروخية حتى تكون جاهزة في مهلة 14 عاماً، تاريخ انقضاء كل مفاعيل الإتفاق النووي .
وبعدما فشلت الولايات المتحدة في الحصول على إجابات من الوكالة الدولية حول أسئلتها النووية الايرانية، طلبت واشنطن من المفتشين الدوليين توجيه طلبات رسمية لدخول مواقع إيرانية محظورة عليهم، تحت طائلة التصعيد في مجلس الأمن الدولي في حال لم تتجاوب طهران .
رفض المسؤولون الأوروبيون الطلب، وأبلغوا نظراءهم الأميركيين انهم لن يقوموا باستعراض سياسي يكسب منه الرئيس دونالد ترامب ، وأنه إنْ أرادت واشنطن إجابات عن الاسئلة، فلتذهب إلى تعديل الإتفاقية في مجلس الأمن . تقول مصادر الإدارة ان هايلي قالت للوكالة والأوروبيين: “سنفعل ذلك، سنُعدّل الإتفاقية”.
البند الرئيسي الذي يزعج الإدارة الأميركية هو استعصاء بعض المواقع الايرانية على التفتيش الدولي. يقول المسؤولون الأميركيون ان واشنطن لا تقلقها إمكانية قيام إيران بتجارب تتضمن مواد إشعاعية، فهذه يمكن التعرف عليها من خارج المواقع الايرانية المقفلة ومن دون الدخول إلى هذه المواقع.
ما يزعج الولايات المتحدة ويقلقها هو أن تقوم إيران بالنشاطات البحثية المعروفة بـ”ار اند دي”، مختصر “أبحاث وتطوير” بالانكليزية. يعتقد الأميركيون انه يمكن للايرانيين القيام بكل أنواع التجارب غير الاشعاعية في منشأة مثل بارشين لانتاج أسلحة نووية، مثل تصميم الصواعق المتفجرة لإنتاج الرؤوس الصاروخية. وما يزعج الأميركيين أيضاً هو أن تعليق الحصار الاقتصادي على ايران يسمح للأخيرة باستيراد مواد مدنية يمكن استخدامها لأهداف عسكرية نووية، وبالحصول على الأموال المطلوبة لتمويل برنامج نووي عسكري غير إشعاعي، حتى انقضاء الحظر على التخصيب وعودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم بدرجات عسكرية، وهو ما كانت اقتربت منه طهران قبل التوصل للاتفاقية.
هكذا توصلت واشنطن ، لا ترامب ، إلى أن على الولايات المتحدة التصعيد ضد الإيرانيين، والمجتمع الدولي، لفرض تعديل على الإتفاقية يسمح بإغلاق الفجوات الحالية، ويمنع الايرانيين من العمل على تطوير “الجزء غير الإشعاعي” من برنامجهم النووي.
وتقول مصادر الإدارة الحالية ان الادارة السابقة أنجزت الاتفاقية النووية مع إيران بناء على عودة الثقة بين طهران والعالم، وان الإدارة السابقة اعتقدت أن إيران تسعى فعلياً للتخلي عن برنامجها النووي واستعادة علاقاتها الجيدة مع العالم، بما في ذلك أميركا. لكن منذ دخول الإتفاق النووي حيز التنفيذ، بدا واضحاً للأميركيين أن طهران لا تسعى جدياً للتخلي عن برنامجها النووي العسكري، بل هي تستخدم الاتفاقية كمحطة في انتزاع اعتراف دولي لتخصيبها اليورانيوم، والحصول على الأموال اللازمة واستيراد التقنيات المطلوبة للمضي قدماً في عملية صناعتها سلاحاً نووياً. أما العلاقة الايرانية مع العالم، يقول المسؤولون الأميركيون، فمن الواضح أنها “لا تسير في الاتجاه الذي اعتقدته الإدارة السابقة”.
في الولايات المتحدة، شركة “بوينغ” العملاقة للطائرات، وفي أوروبا نظيرتها شركة “إير باص”، فضلاً عن شركات نفط مثل “توتال” الفرنسية ونظيرتها الهولندية، وشركات صناعات سيارات فرنسية، كلها حصلت على عقود ضخمة من الإيرانيين ، ولا مصلحة لها في تعليق الاتفاقية النووية مع إيران ، وهي لهذا السبب أطلقت العنان لماكيناتها للوبي السياسي لعرقلة تصعيد ترامب .
لكن واشنطن تدرك أنها في موقع قوة، إذ ان الاتفاقية تنص على أنه في حال “إعتراض أي فريق”، يمكن الذهاب إلى تحكيم على صعيد خبراء، ثم على صعيد وزراء الخارجية، وإنْ لم يتم التوصل إلى تسوية، ينعقد مجلس الأمن للتصويت على تمديد رفع العقوبات عن الإيرانيين ، فإن لم ينجح في ذلك، تعود العقوبات الدولية على إيران التي كانت مفروضة قبل الاتفاقية.
هذا يعني أنه يمكن لترامب التصعيد، ثم عرقلة التحكيم، ثم عرقلة أي تصويت في مجلس الأمن يهدف لتمديد رفع العقوبات، فتعود تلقائياً على إيران .
إدارة ترامب لا ترى نفسها ضعيفة في مواجهة إيران والعالم و الإتفاق النووي ، بل ترى نفسها قادرة على وقف هذه الإتفاقية، حتى لو اقتضى الأمر مواجهة العالم، بما في ذلك الحلفاء الأوروبيون، فإيران نفسها “انتزعت الاتفاقية بمواجهتها العالم مجتمعاً، وأميركا ليست أقل مقدرة من الإيرانيين”، ينقل مقربون من الإدارة عن لسان المسؤولين فيها.
المصدر حسين عبد الحسين