
خفاش
أثار تفشي وباء كورونا المخاوف من تفشي أوبئة أخرى تكون أشد خطورة وأكثر فتكا، ”من أين سيأتي الوباء القادم- وهل يمكن منعه؟، سؤال مرعب طرحته مجلة ”دير شبيغل“ الألمانية مؤخرًا، قبل أن تطلق صيحة خطر بأن جائحة فيروس covid-19 على فداحتها لن تكون الأخيرة، وربما لن تكون الأسوأ، وخاصة فيما يتعلق بالفيروسات حيوانية المنشأة.
وبحسب المجلة الألمانية، فإن أسواق الحياة البرية، وإزالة الغابات، ومزارع التسمين، تظل منافذ خصبة ومواتية لأن تحصل الفيروسات من خلالها على المزيد من الفرص للانتشار والانتقال إلى البشر، وفق أحدث تقرير علمي صادر عن مجموعة خبراء دوليين.
وضربت المجلة مثلًا بأن رعاية الخنازير في مزرعة أو غابة في شبه جزيرة الملايو جنوب شرق آسيا، حيث تنمو أشجار الفاكهة في مكان قريب، كانت سببًا لانتقال فيروس قاتل للبشر، فهناك تتغذى خفافيش الفاكهة، ومن ثم مات أكثر من 100 موظف في صناعة الخنازير بسبب التهاب الدماغ الناجم عن فيروس ”نيباه“ المنتقل من تلك الخفافيش.
القردة والظباء
كما أن قردة وظباء في إفريقيا الوسطى وقفت خلف اشتداد مرض مميت، تسبب في نزف الأغشية المخاطية ودمار للجهاز الهضمي والرئتين، وهو ما عُرف بجائحة ”الإيبولا“ الأول في عام 1976.
قط الزباد، أو كلب الراكون، أو فأر الخيزران الذي يُباع في سوق الحيوانات البرية في الصين، ربما تلامس أي منها مع إفرازات خفاش مصاب، والنتيجة، أكثر من أربعة ملايين شخص حول العالم ماتوا من أو بسبب covid-19
ورغم وجاهة احتمالية عبور فيروس covid-19 عبر مختبر أبحاث قبل وصوله إلى البشر، ومع ذلك، فمن غير المتنازع عليه نسبيًا أن الفيروس له أصل حيواني، الأمر نفسه ينطبق على فيروسات الإيبولا ونيباه – وما يقرب من نصف جميع الأمراض المعدية الجديدة المنتشرة. فنمط الحالات الموصوفة هو نفسه- إنها أمراض حيوانية المصدر، أي أن شخصًا أصيب من حيوان.
”احتمال حدوث جائحة فيروسية جديدة قد يكون أعلى من أي وقت مضى“. تلك كانت نتيجة أحدث تقرير صادر عن مجموعة دولية من الخبراء عقدتها جامعة هارفارد.
التقرير الصادر بعنوان ”منع الأوبئة“ ونشرت مجلة ”شبيجل“ الألمانية حصريًا أجزاءً عدة من نتائجه، أفاد بأن تواتر انتشار الأمراض المعدية الجديدة آخذ في الازدياد. إذ ينشأ حوالي نصف تلك الأمراض من الحياة البرية.
وعلى عكس البكتيريا أو الفطريات أو الطفيليات، فإن الفيروسات هي السبب الأكثر احتمالا للمرض بين أنواع كل العوامل الممرضة، لكن ليست كل الفيروسات خطرة بنفس القدر.
وحدد التقرير بعض الفيروسات التي من المرجح أن تنتقل من شخص لآخر وتسمح للمرض بالانتشار، وأهمها، الفيروسات التي لا تقسم مادتها الجينية إلى عدة أقسام، والفيروسات التي لا تتطلب ما يسمى بالنواقل، أي لا تحتاج إلى كائن حي مثل القراد أو البعوض حتى تنتقل، وكذا الفيروسات التي لا تميل إلى قتل مضيفها.
ومع ذلك، فإن بعض الفيروسات التي تنتقل عن طريق النواقل يمكن أن تنتشر بسرعة أيضًا- كما ثبت، على سبيل المثال، من خلال فيروس ”زيكا“ الذي يمكن أن يؤدي إلى صغر الرأس عند الأطفال، وكذلك مرض ”لايم“ والتهاب الدماغ المنقول من القردة وحمى القرم والكونغو.
ما يُظهره التقرير أيضًا، أن الفيروسات التي لا يتم إرضاءها بشكل خاص بشأن مضيفها الحيواني لديها إمكانية وبائية أكبر – مثل فيروسات كورونا، حيث تم اكتشافها في الكلاب والقطط والأسود، وفي المنك في مزارع الفراء، وفي الغزال أبيض الذيل في أمريكا الشمالية.
ومن أجل تقييم مخاطر حدوث جائحة جديد، فإن عدد أنواع الفيروسات مهم أيضًا، فهناك الملايين في ما يسمى بخزانات الحيوانات، ويقدر الخبراء أن 631000 إلى 827000 من هذه الأنواع غير المعروفة يمكن أن يكون لها إمكانات حيوانية المصدر، مما يعني أنها قادرة نظريًا على القفز من حيوان إلى مضيف بشري – والعكس صحيح.
ومن المرجح أن تنقل بعض الحيوانات مسببات الأمراض أكثر من غيرها، وذلك يشمل الثدييات المعرضة لخطر كبير من الرئيسيات وخاصة المجموعات الغنية بالأنواع مثل الخفافيش والقوارض.
كما يمكن للخفافيش أن تنقل عددًا كبيرًا من مجموعات الفيروسات المرتبطة بالأمراض البشرية، بالإضافة إلى فيروسات كورونا، فهناك فيروس نيباه، الذي يمكن أن يؤدي إلى التهاب الدماغ القاتل، أو فيروس الإيبولا أو فيروس داء الكلب.
لكن، نظرًا لأن الخفافيش تتحمل العديد من الفيروسات نفسها ولا تظهر عليها أي أعراض للمرض، يُنظر إليها على أنها مستودعات للفيروسات.
ويُعتقد أن القوارض البرية هي المصدر الرئيسي لانتشار فيروسي ”لاسا وهانتا“، وكلاهما يسبب حمى نزفية – ويمكن أن يؤديا إلى الوفاة، كما أن الرئيسيات تنقل بشكل رئيسي مسببات الأمراض من عائلة الفيروسات القهقرية، وأشهرها على الأرجح هو فيروس HI الذي يؤدي إلى الإيدز.
ويمكن أيضًا العثور على أوجه تشابه بين مجموعات الحيوانات المرتبطة بالفيروسات الحيوانية المنشأ، فهي أقل عرضة للانقراض، ولكنها أكثر مقاومة للتأثيرات البشرية، كما أن الأنواع التي يمكن أن تتكيف مع البيئات التي يصنعها الإنسان، أو التي تم تعديلها من قبل الإنسان، لديها بشكل عام المزيد من الفرص للتواصل مع البشر ومواشيهم.
بيد أن أنواع الحيوانات البرية المهددة بالانقراض يمكن أن تصبح أيضًا نواقل للأمراض- خاصة إذا كان انخفاض أعدادها ناتجًا عن فقدان مواطنها الطبيعية.
وتصل المجلة الألمانية إلى أخطر نتائج التقرير، فالبشر يغيرون العالم، ويغيرون النظم البيئية، وظروف المعيشة وأسس الحيوانات، ما يؤثر أيضًا عن غير قصد على الاحتمالية التي ستعبر بها الفيروسات مسارات البشر والحيوانات.
وعلى هذا النحو يمكن إرجاع حوالي نصف جميع الأمراض المعدية حيوانية المصدر المسجلة لدى البشر في جميع أنحاء العالم إلى الظروف المتغيرة لاستخدام الأراضي، حيث تلعب إزالة الغابات دورًا رئيسيًا، فقد كانت هناك أدلة على أن عدد القوارض التي تحمل فيروسات ”هانتا“ قد ازداد في القارات الأمريكية بعد إزالة الغابات، كما تزداد احتمالية تفشي الإيبولا بين البشر في المواقع المرتبطة بإزالة الغابات.
%50 من الأمراض حيوانية المنشأ
وبحسب التقرير، فإن 50 % من الأمراض حيوانية المنشأ التي تفشت بين البشر منذ عام 1940 مرتبطة بالزراعة، ومن ناحية أخرى، فغالبًا ما تسير التنمية الزراعية جنبًا إلى جنب مع تحويل مصادر المياه العذبة وبناء السدود وإنشاء أنظمة الري، ما يطور من قدرات البعوض المعدية، فعلى سبيل يرتبط إنشاء سد أسوان في مصر بظهور مرض ينتقل عن طريق البعوض يسمى ”داء الفيلاريات اللمفاوي“، من أعراضه الشائعة داء الفيل، حيث تنتفخ أجزاء الجسم إلى حجم غير طبيعي بسبب الاحتقان اللمفاوي، في سريلانكا والهند، زاد عدد حالات الإصابة بالملاريا مع بناء السدود وخنادق الري.
وإذا تم الاحتفاظ بالعديد من الحيوانات ذات التنوع الوراثي المنخفض في مكان مغلق، فإن هذا يدعم عملية انتقال الفيروسات وتطويرها.
وبسبب القرب من الناس، يمكن أن تقفز مسببات الأمراض أيضًا، كذلك سيزداد الخطر الذي تشكله مزارع تسمين الحيوانات خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ومن ثم يتزايد حجم إنتاج الدواجن ولحم الخنازير – وهم ما يمكن أن يتضاعف في العقد المقبل.
خطر السكن بالمدن
وهناك أيضا خطر في المدن، ففي عام 2020، كان أكثر من 56 في المائة من سكان العالم يعيشون في المدن، وبحلول عام 2030 يمكن أن تكون النسبة 60 في المائة، وغالبًا ما يكون التحضر سريعًا وفوضويًا، مما يسهل انتشار الأمراض، فبسبب الكثافة السكانية العالية وانخفاض مستويات المعيشة ونقص البنية التحتية الصحية تتحور الفيروسات المنقولة حيوانيًا.
فالتحضر العالمي، على سبيل المثال، يزيد من أعداد الفئران، ويعد داء البريميات أكثر شيوعًا لأن المزيد والمزيد من الفئران تندفع عبر مسارات مترو الأنفاق وعبر المباني السكنية، وينتقل هذا المرض المعدي عن طريق البكتيريا من بول الفئران والجرذان، وعادة ما يظهر بأعراض تشبه أعراض الأنفلونزا، ولكن في أشد أشكاله يمكن أن يرتبط أيضًا بالفشل الكلوي وحتى الموت.
وفقًا لتقرير جامعة هارفارد، أصبح داء البريميات أحد ”الأسباب الرئيسية للإصابة بالأمراض الحيوانية المنشأ“.
وتحمل الحيوانات خزانًا كبيرًا من الفيروسات لا يصادفه البشر في العادة، وخاصة الحيوانات البرية، وأينما يتم صيد الحيوانات من البرية والاحتفاظ بها – سواء كغذاء أو كرمز للمكانة – يزداد خطر الإصابة بالأمراض الحيوانية المنشأ.
ومن المفترض أن استهلاك ما يسمى بلحوم الأدغال مرتبط بتطور أمراض فيروسية مختلفة- مثل الإيدز والإيبولا، كما يمكن للمرء أن يفترض أن أزمة المناخ تجبر عشرات الآلاف من الأنواع على مغادرة موائلها التقليدية واستعمار مناطق جديدة، وعليه ستتحرك مسببات الأمراض مع هذه الحيوانات المضيفة.
في الخمسين سنة القادمة، يمكن أن يتحول نطاق العديد من الثدييات إلى ارتفاعات أعلى – لأن الماء والغذاء أصبحا نادرين أو لأن بيئتها الطبيعية ككل آخذة في الانكماش، وبالتالي سوف تخترق الحيوانات المهاجرة المناطق المكتظة بالسكان، خاصة في آسيا وإفريقيا – وستتلامس مع فيروسات جديدة، ربما عدة آلاف من المرات.
تطعيم الحيوانات
ولمواجهة ذلك الفزع المرعب، ينصح مؤلفو التقرير بحماية الغابات وبالتالي الموائل الطبيعية للعديد من حاملي الفيروسات، وإنشاء وتوسيع أنظمة الكشف والإنذار المبكر، كما يمكن أن يكون تطعيم الحيوانات الأليفة وحيوانات المزرعة أيضًا وسيلة لحماية الناس لأنها تقطع طرق انتقال العدوى، رغم أن التطعيمات باهظة الثمن وليس من السهل دائمًا توزيعها.
يجب أيضًا مناقشة اللوائح الخاصة باستهلاك الحيوانات البرية والحفاظ عليها.
وسيكون من الحكمة منع انتشار جائحة فيروسية جديدة من وجهة نظر مالية؛ لأن تكاليف مكافحة الجائحة تفوق بكثير تكاليف الوقاية، فبحسب الباحثين في تقريرهم، في عام 2020، تسبب فيروس covid-19 في خسارة تعادل ما يقرب من أربعة تريليونات دولار أمريكي.