
تتنوّع العوارض الصحية التي تظهر على المصاب بفيروس كورونا، غير أنّ هناك أعراضًا وعلامات شائعة تصيب معظم المصابين. ولعلّ فقدان حاسة الشم كان العارض الأكثر شيوعًا الذي رافق الموجات الأولى للوباء، حيث أبلغ ما يقدر بنحو 77-85% من المصابين بالفيروس عن فقد أو تغير في حاسة الشم.
في هذا السياق، عرّف العلماء فقدان حاسة الشم لدى المصابين بـ”كوفيد-19″، والمعروف أيضا باسم “الباروسميا”، بأنه اضطراب في حاسة الشم تبدو فيه الروائح العادية كريهة أو حتى مثيرة للإشمئزاز.
وعلى الرغم من أن معظم الناس يتعافون بسرعة من هذا الخلل الوظيفي، إلا أن ما يقدر بنحو 15 مليون شخص حول العالم، بعد التعافي من “كوفيد-19″، يواجهون فقدان حاسة الشم أو الباروسميا بشكل مستمر.
وبيّنت الدراسات أن الظهارة الحسية الشمية، الموجودة في المنطقة العلوية من الأنف، بالقرب من مكان دخول العصب الشمي إلى البصلة الشمية في الدماغ، تحمل حمولة فيروسية عالية لدى المصابين بفيروس SARS-CoV-2.
والبصلة الشمية هي البنية في الدماغ التي تدير حاسة الشم وترسل المعلومات الحسية إلى مناطق أخرى من الدماغ للمعالجة. وتشارك مناطق الدماغ الأخرى هذه في التعلم والذاكرة والعاطفة.
الدكتورة “ليزلي إم كاي”، التي قادت مراجعة الدراسات هذه حول تأثير SARS-CoV-2 على نظام الشم، قالت: “كل هذا يعني أن البصلة الشمية تشارك في أكثر بكثير من الرائحة. إنها تشارك في الإحساس بالمكان والذاكرة والسياق والعاطفة والمكافأة والعديد من العمليات الأخرى”.
ونظرا لقرب الظهارة الحسية الشمية من البصيلة الشمية، يمكن أن تؤثر عدوى “كوفيد-19″على الوظيفة الإدراكية حتى بعد الشفاء.
وعثر الباحثون على علاقة بين حاسة الشم المعطلة والخرف لدى بعض المصابين بحالات التنكس العصبي مثل مرض ألزهايمر ومرض باركنسون.
كما أظهرت الدراسات التي أجريت على الحيوانات أن الضرر الذي يلحق بالبصلة ينتج عنه حالة من القلق والاكتئاب.
الى ذلك، أوضحت كاي أن الأوبئة السابقة تدعم أيضا النظرية القائلة بأن “الغزو الفيروسي للجهاز العصبي المركزي، يمكن أن يكون حافزا لتنكس عصبي يؤدي إلى عجز عصبي لاحق”.
وأدت جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 إلى موجة من الإصابات بمرض باركنسون، ووجدت البيانات من الدنمارك أن الذين أصيبوا بالإنفلونزا كانوا معرضين بنسبة 70% لخطر الإصابة بمرض باركنسون بعد عقد من الزمن.
وتقدم المراجعة الجديدة أدلة تشير إلى أن الالتهاب الذي يصيب العصب الشمي وتلف البصلة الشمية عن طريق عدوى “كوفيد-19” والاستجابة المناعية قد تتسبب أيضا في تدهور هياكل الدماغ المرتبطة بالجهاز الشمي والضعف الإدراكي.
وقالت كاي إن هناك حاجة إلى مزيد من البحث وهو أمر ممكن بفضل التقدم التكنولوجي المتاح للعلماء خلال الوباء الحالي.
وأضافت: “في حين أن جائحة كوفيد-19 كانت كارثة على العديد من المستويات، فإنها تمثل فرصة لتحسين صحة الإنسان”.