
فادي قانصو
بعدما أقرّ مجلس النواب فتح اعتمادات رواتب القطاع العام، عاد النقاش مجدداً حول التداعيات الاقتصادية والتضخمية لرفع رواتب وأجور موظفي القطاع العام في ظلّ الجمود السياسي الراهن في البلاد.
في السياق ذكّر الأمين العام المساعد لاتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي فادي قانصو في حديث لصوت بيروت انترناشونال بتداعيات سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017 وقال بدايةً وبالأرقام يجدر الذكر أن كتلة أجور القطاع العام قد بلغت حوالي 18 تريليون ليرة في العام 2022، من 10 تريليون ليرة في العام 2021 (أو 55% من إجمالي النفقات العامة) أي 825 مليار ليرة شهرياً، وذلك بعد إقرار راتبين إضافيين على أجور العاملين في القطاع العام في شهر تشرين الأول 2022، بالإضافة إلى رفع بدل النقل وبعض المساعدات الاجتماعية التي مُنحت في النصف الثاني من العام الماضي
وتوقع قانصو أن تتضخّم هذه الكتلة لتصل إلى حوالي 70 تريليون ليرة في العام 2023، وهي موزّعة ما بين 3,000 مليار ليرة شهرياً خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام و7,100 مليار ليرة شهرياً خلال الأشهر الثمانية الاخيرة من العام، وذلك بعد إقرار منح أربع رواتب إضافية بدءاً من شهر أيار المنصرم.
في المقابل اشار قانصو إلى أن الايرادات الجمركية في لبنان بلغت حوالي 1.28 تريليون ليرة تقريباً في العام 2022، وهي محتسبة على أساس معدل وسطي يبلغ 2.5% من حجم واردات بلغ 19.1 مليار دولار، أي حوالي 40 مليون دولار شهرياً، محتسبة بدورها على أساس سعر صرف 1,500 ليرة للدولار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2022 وسعر صرف 15,000 في شهر كانون الأول 2022. أما في العام 2023، وهنا بيت القصيد كما يقول قانصو فمن المتوقع أن تبلغ الايرادات الجمركية حوالي 29 تريليون ليرة، مع احتساب الرسوم الجمركية الشهرية وفق أسعار الصرف المختلفة التي أقرّتها الحكومة حين رفعت الدولار الجمركي على مراحل إلى 45 ألف ليرة للدولار في شهر آذار ومن ثم إلى 60 ألف ليرة للدولار في شهر نيسان، وصولاً إلى 86 ألف ليرة للدولار بدءاً من شهر أيار من العام الحالي.
وفي الاطار تخوّف قانصو ان نكون أمام فجوة مقدّرة ما بين كتلة أجور القطاع العام والإيرادات الجمركية بحدود 40 تريليون ليرة تقريباً في العام 2023. مع العلم بأن إجمالي العجز المالي العام وفق قانون موازنة 2022 كان يقدّر بحوالي 10 تريليون ليرة أي ما يعادل 260 مليون دولار وقتها، أي حوالي 23 تريليون على أساس سعر منصة صيرفة اليوم.
ورأى قانصو انه في حال عجزت الدولة اللبنانية عن توفير الإيرادات المالية اللازمة من ضرائب ورسوم أخرى لتمويل هذه الفجوة، وهو أمر وارد حتى الساعة، لاسيما في ظلّ إضراب موظفي القطاع العام وضعف الجباية خلال الفترة المنصرمة والمتوقع على ما يبدو خلال الفترة المقبلة مع التهديد بالتصعيد والإضراب المفتوح، فقد لا تملك الحكومة اللبنانية مصادر لتمويلها سوى اللجوء إلى مصرف لبنان لتغطية هذه الزيادة الهائلة في الرواتب والأجور، وذلك بسبب عدم قدرتها على الاستدانة من السوق نتيجة تعثرها السابق في سداد ديونها في آذار 2020.
محذراً انه في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، من شأن ذلك أن يؤدّي إلى إطلاق موجتين من التضخّم في أسعار السلع والخدمات. الموجة الأولى قد تتأتّى عن عملية خلق النقد المتوقعة أو طباعة الليرات في حال لم تتأمّن الإيرادات المالية الكافية، أما الموجة الثانية من التضخم فقد تكون ناجمة عن رفع الدولار الجمركي، إذ أنّ كل زيادة بقيمة 15 ألف ليرة على الدولار الجمركي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بنسبة 5%، خصوصاً بالنسبة للسلع التي يصل الرسم الجمركي عليها إلى 35%.
وعلى صعيد موجة التضخم الأولى والناجمة عن خلق النقد ذكّر قانصو بأن مؤشر أسعار المستهلك قد ارتفع منذ نهاية العام 2019 وحتى نهاية شهر نيسان المنصرم بشكل هستيري وذلك بحدود 3500%، في وقت كان خلق النقد من خلال طباعة الليرة مستمر طوال هذه الفترة وهو ما يتبيّن من خلال تضخّم حجم الكتلة النقدية بالليرة إلى حدود 112 تريليون ليرة في نهاية شهر أيار، وذلك من 12 تريليون ليرة في تشرين الأول 2019، لترتفع الكتلة النقدية بالليرة بحدود 26 تريليون ليرة بين شهري نيسان وأيار من العام الحالي، على الرغم من أن مصرف لبنان قد استطاع من خلال إعادة تفعيل منصة صيرفة امتصاص حوالي 15 تريليون ليرة في شهر آذار.
مشيراً أن نسب التضخم شاهدة أيضاً على موجة التضخم الثانية والناجمة عن رفع الأجور والرسوم الجمركية بشكل خاص، إذ بلغت نسبة التضخم أكثر من 120% منذ شهر تشرين الأول وحتى شهر نيسان المنصرم.
من هنا شدد قانصو على انه ينبغي التشديد على ضرورة إعادة هيكلة القطاع العام من خلال ترشيده وتحفيز مردوديته وإنتاجيته لعلّ الدولة اللبنانية تستطيع أن تمتنع عن طباعة الليرة المسبّب الرئيسي لتفلّت سعر الصرف ونسب التضخم في لبنان التي تساهم في امتصاص كل مفاعيل الزيادات الممنوحة لموظفي القطاع العام وبالتالي تساهم في تآكل القدرة الشرائية لحوالي 250 ألف موظف في الخدمة الفعلية و130 ألف متقاعد في القطاع العام، وغيرهم من موظفي القطاع الخاص الذين لا يزالون يتقاضون جزءاً مهماً من رواتبهم بالليرة اللبنانية.