
الدكتور محمد فحيلي
بعد خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية في لبنان و معها الأزمة المصرفية التي كانت أبرز نتائجها توقف المصارف عن ممارسة دورها الأساسي في التسليف يتم الحديث عن عودة المصارف للإقراض فما صحة هذا الخبر و هل المصارف فعلاً قادرة على هذا الأمر ومن أين ستاتي بالسيولة وما هي العوائق التي تحول دون ذلك سيما وان الأزمة المصرفية في لبنان معقدة ومتشابكة مع الأزمة الاقتصادية الأوسع التي يمر بها الوطن، وهي تطرح تحديات جمة أمام إمكانية عودة المصارف للإقراض بفعالية.
في السياق يرى الخبير في المخاطر المصرفية و الباحث في الاقتصاد الدكتور محمد فحيلي في حديث لصوت بيروت إنترناشونال أن هناك عدة عوامل تؤثر على إمكانية عودة المصارف للإقراض وهي :
1. الثقة في النظام المصرفي: أزمة الثقة هي ربما العقبة الأكبر. فبعد تجميد الودائع وفرض قيود على السحب، تضررت ثقة المودعين والمستثمرين بشكل كبير وعودة الإقراض ستتطلب جهوداُ كبيرة لإعادة بناء هذه الثقة.
2. السيولة المتاحة: هناك سيولة متوفرة لدى المصارف من خلال توظيفاتها في الخارج وإيرادات الفوائد العالية التي تجنيها ومع ذلك يظل السؤال المهم “هل ستُستخدم هذه السيولة لإعادة الودائع أو للإقراض وكيف ستُوزع الأولويات بين حاجات المودعين ورغبات المصارف في توليد الأرباح؟”.
ووفقاً لفحيلي تعقيد مسألة السيولة المتاحة لدى المصارف اللبنانية يكمن في كيفية استخدامها وتوزيع الأولويات بين المودعين والمصارف و هذا الأمر يثير نقاشاً واسعاً حول الأخلاقيات والاستدامة المالية للقطاع المصرفي في لبنان خاصة بعد الأزمة الحادة التي أدت إلى تجميد الودائع وفرض قيود صارمة على السحب
ويلفت فحيلي إلى ان مصادر السيولة لدى المصارف اللبنانية هي توظيفات في الخارج إذ أن هناك عدد من المصارف اللبنانية قد وظفت جزءا كبيراً من الأموال في أسواق أجنبية وهذا يشمل فتح حسابات بعملات صعبة في مصارف مراسلة واستثمارات قد تحقق عائدات مرتفعة نظرًا للفوائد الأعلى في الأسواق العالمية كما أن الأموال التي تم تحويلها إلى الخارج تحقق فوائد يمكن أن تساهم في زيادة السيولة المتاحة للمصارف.
و حول كيفية استخدام السيولة شدد فحيلي على إعادة الودائع “فالمودعون يطالبون بحقوقهم في استرداد أموالهم التي جمدتها البنوك واستخدام السيولة لإعادة هذه الودائع قد يساعد في إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي”.
ومن ناحية أخرى يشير فحيلي إلى ان المصارف قد تفضل استخدام السيولة لتجديد أنشطة الإقراض التي تعد مصدراً رئيسياً للأرباح فالإقراض يمكن أن يدعم الاقتصاد المحلي ولكن يجب أن يتم بشروط تضمن الاستدامة والعدالة.
وبالنسبة لتوزيع الأولويات فشدد فحيلي أنه يجب ان تراعي مصالح المودعين “يجب على المصارف مراعاة حقوق المودعين الذين تأثروا بشكل كبير من تجميد الودائع” وكذلك رغبات المصارف” المصارف تسعى لتحقيق الربح وضمان استمراريتها مما يدفعها للتفكير في استئناف الإقراض”.
وحول التحديات راى فحيلي ان هناك تحديات أخلاقية وتحديات قانونية:
الأخلاقية: هناك تحدي أخلاقي في كيفية التعامل مع أموال المودعين وإعادة بناء الثقة دون التضحية بحقوقهم.
القانونية: التحديات القانونية تشمل الإجراءات والتعاميم التي يصدرها مصرف لبنان والتي يجب أن توفر حماية للمودعين وتحافظ على استقرار النظام المالي.
وأكد فحيلي ان القرار حول كيفية استخدام السيولة المتاحة للمصارف يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل هذه العوامل ويجب أن يتم تحت إشراف وتنظيم مشدد لضمان أن يكون عادلاً ومستداماً، مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الطويلة الأمد للاقتصاد اللبناني وشعبه.
وفي موضوع التشريعات والتنظيم رأى فحيلي ان الدور الذي يلعبه مصرف لبنان والحكومة في تنظيم وإصلاح القطاع المصرفي أساسي والتعاميم والقوانين التي تحكم عمليات السحب والإقراض وتعديلها قد يفتح الباب لإعادة تنشيط الإقراض “ولكن يجب أن يتم ذلك في إطار يحمي حقوق المودعين ويضمن الاستقرار المالي”.
ومن العوامل التي تؤثر ايضاً على إمكانية عودة المصارف للإقراض وفقاً لفحيلي الوضع الاقتصادي الكلي فالاقتصاد اللبناني يواجه تحديات كبرى من تضخم مرتفع وانخفاض قيمة العملة و وارتفاع الدين العام مؤكداً ان هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية والقوة الاقتصادية وبالتالي على قدرة المصارف على الإقراض
إضافةً إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي لأن الاستقرار السياسي يؤثر على الاقتصاد بشكل عام وعلى النظام المصرفي بشكل خاص “والأوضاع السياسية المتقلبة قد تزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي وتحد من إمكانيات الإقراض والاستقرار السياسي والاجتماعي يلعب دورًا حاسمًا في تحديد البيئة الاقتصادية والمصرفية في أي دولة ولبنان يعيش مثالًا بارزًا على كيف يمكن للأوضاع السياسية المتقلبة أن تؤثر سلباً على الاقتصاد العام والقطاع المصرفي
ويوضح فحيلي ان هناك عدة جوانب توضح تأثير الاستقرار السياسي والاجتماعي على النظام المصرفي:
● الثقة الاقتصادية: الاستقرار السياسي يساهم في تعزيز الثقة الاقتصادية. في البيئات السياسية المستقرة، تكون السياسات الاقتصادية أكثر تنبؤاً واستمرارية، ما يؤدي إلى بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية. في المقابل، الأوضاع السياسية المتقلبة تعني سياسات متغيرة وقرارات مفاجئة قد تثير القلق بين المستثمرين والمودعين، ما يؤدي إلى تقلبات في السوق وانسحاب للرساميل.
● تنفيذ السياسات والإصلاحات: الحكومات في الدول ذات الاستقرار السياسي تكون أكثر قدرة على تنفيذ السياسات والإصلاحات الاقتصادية والمالية بفعالية. تستطيع هذه الحكومات وضع وتنفيذ خطط طويلة الأجل تشمل تحسين بنية النظام المالي والمصرفي. أما في البيئات المضطربة كما الحال في لبنان، فإن الفترات القصيرة بين الانتخابات أو الاضطرابات السياسية تجعل من الصعب تنفيذ أو حتى البدء بإصلاحات جوهرية.
● التأثير على العملة والسياسة النقدية: الأوضاع السياسية المتقلبة قد تؤدي إلى ضغوط على العملة المحلية، مما يضطر البنك المركزي لاتخاذ تدابير استثنائية قد تؤثر على القطاع المصرفي. على سبيل المثال، القيود على السحوبات أو تجميد الودائع هي إجراءات غالباً ما تُتخذ في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية، وتؤثر مباشرة على قدرة المصارف على الإقراض.
● جذب والحفاظ على الاستثمارات الأجنبية: الاستقرار السياسي والاجتماعي يجذب الاستثمارات الأجنبية، التي تعتبر عنصراً حيوياً للسيولة في النظام المصرفي والاستثمارات الأجنبية تعزز من قدرة المصارف على الإقراض بشروط مؤاتية.
ويختم فحيلي بالقول في حالة لبنان، الحلول الجذرية لتحسين القطاع المصرفي وإعادة الإقراض تتطلب استقراراً سياسياً واجتماعياً يمكن من خلاله تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية ضرورية لاستعادة الثقة في القطاع المصرفي والاقتصاد بشكل عام و العودة إلى الإقراض تتطلب إذاً تناول هذه العوامل بشكل شامل ومتوازن. يتطلب الأمر إصلاحات جذرية لا تقتصر على القطاع المصرفي فحسب، بل تشمل الاقتصاد بشكل عام والنظام السياسي.
بدون هذه الإصلاحات، قد تظل المصارف قادرة على الإقراض من الناحية النظرية، لكنها ستواجه صعوبات في العمل بفعالية في بيئة اقتصادية واجتماعية غير مستقرة.