الأحزاب تستغل خوف الناس من الموت.. لتحكمهم

دخلت البلاد التعبئة العامة حيال أزمة الكورونا، التي على ما يبدو ما زالت في بداياتها. هذه التعبئة العامة التي أعلنتها حكومة حسان دياب، تُختصر كالتالي: إقفال المراكز والمؤسسات الرسمية، المراكز التجارية، المقاهي الملاهي الليلية، تقريباً كُل شيء ما عدا محال المواد الغذائية وكُل ما له علاقة بصحة الناس.

 

أيضاً، تمنع التجمعات. توازياً، استنفرت وزارة الصحة طاقمها، والمؤسسات المعنية لمواجهة هذا الوباء الذي يجتاح العالم. كُل هذا غير كافٍ في بلد استنزفته الأحزاب التي مرت على السلطة، حتى صار عاجزاً تماماً.

الخطر الوجودي

إلى الآن تبدو الأمور تحت السيطرة، ظاهرياً. في الواقع، لا سيطرة إطلاقاً. أعداد الإصابات المصرح عنها لا تستدعي الهلع إلى الآن، لكن التفشي السريع للفيروس في الأيام المقبلة سيجعل الدولة عاجزة عن ضبط عداد الأرقام. ما حصل في بلدة ببنين في عكار خير دليل عما ينتظر اللبنانيين في المقبل من الأيام. مسألة وقت، وكل البروباغندا المزعومة عن “التعامل اللبناني المميز مع الفيروس لاحتوائه” ستسقط بلمح البصر، حتى في أوساط المتمسكين بكُل كذبة تقولها السلطة وأحزابها.

أمام هذا الواقع، وجدت الأحزاب فُرصة لاستعادة الناس. الدولة غائبة؟ صحيح، لكن هُم حاضرون ليملأوا هذا الفراغ على أكثر من صعيد، بغض النظر إذا كانوا هم كأحزاب، السبب الجوهري لوصول الدولة إلى هذا الحال من البؤس. كُل هذا لا يهم الآن، بل على العكس، كُل هذا يُستثمر الآن لاستعادة مشروعية كانت تحت الاختبار حتى في أوساط أكثر الناس تحزباً وتعصباً. الخطر الوجودي اقترب، لكنه اليوم ليس على شاكلة حزب أو طائفة عدوّة. لا يهم. المهم الآن “حماية ناسنا”، وتحت هذا الشعار، تنتهي كُل الأسئلة والشكوك، أو هكذا يعتقدون.

اليوم، غالبية أحزاب السلطة بدأت حملات موازية لما كان يجدر أن تقوم به الدولة. أول البادئين كان الحزب التقدمي الاشتراكي من خلال حملة تعقيم لكل المراكز الاجتماعية والصحية ودور العبادة وغيرها، تبعها اليوم بحملة توزيع مساعدات عينية، عبارة عن حصص غذائية لمحازبيه وللعائلات المحتاجة في مناطق نفوذه.

خلال حملة التعقيم دخلت الفرق التابعة للتقدمي إلى مؤسسات الدولة لتقوم بواجبها الوقائي. حزب يساعد الدولة على المواجهة. لكن أي دولة؟ يغيب عن بال الكثيرين أن هذه المؤسسات المنتشرة في المناطق هي مؤسسات حزبية بغطاء رسمي. وهذا ينطبق على كل المناطق، مع اختلاف واحد يكمن في كيفية تعاطي الحزب الحاكم في كل منطقة.

مؤسسات الدولة للأحزاب

ما أطلقه “التقدمي”، أكمله كُثر. “القوات اللبنانية” قامت من جهتها بحملة تعقيم واسعة في أماكن تواجدها، أتبعتها بتوزيع الصابون والمعقمات على الناس وحملات توعية في هذا الإطار، كذلك فعلت غالبية الأحزاب، صغيرة كانت أم كبيرة، حتى زعماء الأحياء والمناطق نشطوا بيئياً وصحياً في الفترة الأخيرة وصحة المواطن صارت أولوية. الناس اعتادت هذا الواقع. غياب الدولة لسنوات جعل لجوء الناس للأحزاب أمراً بديهياً، على الرغم من كونه فعل غير طبيعي.

أكثر من ذلك، المستشفيات الحكومية التي هي مُفترض أن تكون مؤسسة تستخدمها الدولة للعناية بمواطنيها على الأراضي اللبنانية كافة، صارت مستوصفات حزبية. من الحاجب إلى المدير، جيش من الموالين للحزب الحاكم في المنطقة المتواجدة فيها هذه المراكز. يُمكن أن يكون الاستثناء الوحيد هو مستشفي رفيق الحريري الحكومي. وهذا، أن استطاع حزب ما السيطرة عليه، فهو لن يُقصر أبداً. المُستشفيات الحكومية في حال جُهزت لاستقبال المصابين بالكورونا، الدخول إليها سيكون على الهوية، على الأرجح. الرادع الأخلاقي يتفاوت بين حزب وآخر، لكن الأكيد أن حسابات السياسة أكبر من أي شيء آخر.

حزب الله والبلديات

وفي الوقت الذي يبدو تيار المُستقبل غير قادر على التفاعل مع الكارثة كما كان في السابق، حين كان في السلطة وحين كان زعيمه لا يعاني من ضائقة مالية، ولعل هذا أمر جيد نظرياً، يستنفر حزب الله البلديات واتحادات البلديات لمواجهة الكارثة. البلديات كجزء من المنظومة الرسمية للحكم هي فعلياً وسيلة الحزب الفاعلة في هكذا أوقات.

فهي بصفتها الرسمية، تُصدر التوجيهات للناس الذين يتلقونها وهم يعرفون أن من أصدرها هو الحزب وأن التوجيه يوازي التكليف الشرعي. كذلك، الحصص الغذائية التي استخدمها الحزب لمساعدة الناس أثناء انتفاضة 17 تشرين وهو ضمنياً كان يحاول إسكاتهم، ستعود تدريجياً إلى الخدمة، لكن ليس حالاً.

يُمارس الحزب سياسة كسب الوقت قدر الإمكان، صمود الناس أولاً. تدخله المباشر يأتي في مرحلة لاحقة. الآن هو مُنشغل بتجهيز مراكز العزل والعلاج الخاصة به (عناصره وعناصر الحرس الثوري) وبمناطقه، أي لمؤيديه ومن يتواجدون في دائرة نفوذه.

يستشعر المواطن اليوم أن حياته في خطر، وهي كذلك. لا وقت أساساً للتفكير بما أوصل البلاد إلى هذه الحال المزرية. البشر الآن يبحثون عن منفذ، عن أمل، عن أي شيء يجعلهم يتحسسون ولو بقليل من الأمان.

الناس بضعفهم أمام ما يحصل، يُطَبعون. لا بل كُثر منهم سيذهبون أبعد من ذلك، وهذا طبيعي. الأحزاب تُعيد بناء تحصيناتها للمستقبل من خلال هذا الخوف المتراكم لدى الناس.

لا حديث اليوم ولا غداً ولا بعد حين عن سبب ما نحن عليه وما أوصلنا إليه، الخوف سلاح أحزاب السلطة كي تعيد الناس قدر المستطاع إلى بيت الطاعة، الطائفي قبل الحزبي. الخوف سيحميهم مما اقترفوه ولكن ليس لفترة طويلة. حالما ينتهي الخوف، عقارب الساعة لا بد لها أن تعود إلى 17 تشرين، غير ذلك يعني أن اللبنانيين يستحقون ما هم عليه.

المصدر المدن
الكاتب أيمن شروف
شاهد أيضاً